رئيسيمقالات صحفية

مكتبة مولانا الشيخ خميس صقر

كتب/ د. احمد مصطفى

(كتب قيمة للباحثين والباحثات)
كانت تربطني بمولانا الشيخ (خميس ) علاقة ود وصداقة ومحبة ، فقد شرفت برؤيته مرات متفرقة على هامش لقائه بمحبيه ومتابعيه ومستمعيه وتلاميذه بمسجد الكلاف الكائن في الثلث الأول من شارع المعهد الديني للقادم من الطريق الزراعي بدمنهور.
كان الشيخ حبيبا لجمهوره ، فبرغم زيارته للمسجد مرة واحدة كل شهر ، يحدثهم فيسعدهم، ويؤنسهم ، فتميل له القلوب والآذان، يأتيهم كالبدر يطلع كل شهر، يزورهم غبا ، فيزد حبا، وكانه همسة ممتزجة بالجذل السعيد، فينشرح له القلب، ليطل منه طيف سعادة.
كان الشيخ (خميس السعيد جابر صقر) –حفظه الله – من أهم وافصح وأفقه من عرفت من الخطباء في الأيام الأخيرة ، وأشهد أني تعلمت منه الكثير ، وهوفي كل خطبه جميل الأسلوب ، حلو العبارة ، واسع المعرفة ، كثير الاطلاع ، حاضر الذهن ، حافظ ، ماهر ، أديب، بارع ، سمته طيب، لين ، متواشع ، كثير السجايا والفشائل والشيم.
ولد فى التاسع والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين بمدينة دمنهور ، حفظ القرآن الكريم على يد فضيلة الشيخ محمد إبراهيم ابو عواجة وأتم حفظه وهو فى الثانية عشرة من عمره وكان قد التحق بجمعية المحافظة على القرآن الكريم بدمنهور عام 1962م , وفى عام 1967م التحق بمعهد القراءات بدمنهور بتوجيه من فضيلة الشيخ أحمد أبو زيتحار – رحمه الله – من علماء القراءات وتخرج فيه عام 1975م , ثم التحق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر وتخرج فيها عام 1982م .
تولى تدريس القراءات وعلوم القرآن بمعهد قراءات دمنهور عام 1975م – 1989م ، ثم موجها للقراءات وعلوم القرآن عام 1998م ، ثم موجه أول للقراءات وعلوم القرآن عام 1999م .
عُين مديرا لإدارة المصحف المعلم بمنطقة البحيرة الازهرية عام 2009م –، وموجه عام للقراءات وعلوم القرآن عام 2010م ، و مدير شئون القرآن الكريم بالمنطقة عام 2011م إلى أن بلغ سن التقاعد عام 2013م – كما عمل عضواً بلجنة مراجعة المصاحف بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف من عام 2003م وحتى عام 2007م – حصل على درجة كبير باحثين عام 2011م – كما حصل أيضاً على قرار خبير 2013م.
ومن أهم مواقفه المشهودة التي تدل على ثقته وأمانته وسعة علمه ، ومعرفته بعلوم اللغة ، حين أجاز جميع أعضاء لجنة مراجعة المصاحف مصحفا مرتلا لأحد القراء ولم يبق غيره ، فلما راجع المصحف بنفسه اكتشف خطأ تلاوة فى الجزء الثلاثين فى سورة (القدر) وهو وقوف القارئ على قوله ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ) ثم أكمل ( هى حتى مطلع الفجر ) .
واعترض القارئ حيث أن كبار القراء فى مصر قد قرأوا كذلك كالشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ طه اسماعيل وغيرهم لكن تقرير الشيخ خميس قال فيه :” إن أصل الجملة ( هى سلام ) ولكن فى الآية ( هى ) خبر مقدم و( سلام ) مبتدأ مؤخر وهذا هو موقعها الإعرابى ولكن عندما يقف على ( سلام ) يتغير إعرابها فتصير( بدل ) فيتغير المراد والمقصود من الآية وهو باطل إذن الوقف خاطئ ..
فذهل كل أعضاء اللجنة من هذه الملحوظة وكيف أن الشيخ ظل ذهنه متيقظا فى سماع الشيخ طيلة التلاوة المتواصلة للقاريء ، وكيف أنه ليس منتبها لأحكام التلاوة والقرءات فقط ولكنه أيضا متنبها للموقع الاعرابى لكل كلمة تقرأ فى القرآن الكريم ..
ولم يسلم الشيخ (مشارى راشد) من ملحوظات الشيخ حتى أنه أوقع به فى (سورة يوسف) فى شريط منفصل وليس المصحف المرتل الذى عدل فيه مشارى الخطأ .. حينما وقف على قوله تعالى ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) ثم أكمل ( ليسجننه حتى حين ) فقال الشيخ خميس : الوقوف على ذلك يعنى نهاية الجملة وبهذا تفيد الإقرار بوجود تلك الآيات أو الأدلة المبرهنة على وقوع يوسف عليه السلام فى الجريمة – حاشا لله – ثم إكماله ( ليسجننه حتى حين ) منفصلة هو حُكم عادل لأنه أتى بناءا على الأدلة القطعية السابقة .. والصحيح أن يقرأ الآية كاملة حتى يتبين للمستمع والقارئ أن هذه الأدلة كانت مزعومة وأن سجنه كان ظلما ..
أما عن شعره ، فقد وقفت على قصيدتين لفضيلته ، الأولى محل الدراسة (إلى ابنتي دعاء) سنة 1986م ، والثانية قصيدة معبرة تمجد الأزهر ودوره الوسطى الذى أصبح منارة للإسلام السنى الصحيح ألفها سنة ١٩٩٠م.
وله العديد من المؤلفات منها: (الدعاء المقبول- الإعجاز الجدلي في القرآن- الأغر في بيان ماينفع ومايضر- الحافل من مختارات المحافل- العجب من عيون الشعر والأدب- العنوان إلى قصص الأنبياء- الواحة الخصراء في تاريخ القراءة والقراء –تنوير الجباه من نقائس الحكم والأمثال والمناجاة- شؤةن وشجون –طرائف ومسامرات في ضحكات وعبرات- فاين تذهبون –علم الكلام ومحاورات هادفة- فقه التجويد بين التأصيل والتجديد-ديوان جداول العبرات ) كما حقق كتب : (الفتاوي المحمدية على الاسئلة الهندية تأليف ـمحمد قنديل الرحماني – الكلمات الحسان في الحروف السبعة وحمع القرآن تأليف ـمحمد بخيت المطيعي – حجة الله على خليفته تأليف محمد بخيت المطيعي – عنوان البيان في علوم التبيان تأليف محمد حسين مخلوف)…
ولقد سعدت اليوم بافتتاح مكتبته الكائنة في بيته بشارع الوكيل المتفرع من شارع الروضة بدمنهور ، وشرفت بلقاء ابنيه النهندس (حسام) والمهندس (علاء) وأستاذي الكبير الأستاذ الدكتور محمد أبوعلي ، واخي الحبيب الدكتور نبيل السايس ، والخطيب المفوه الأستاذ حماده الباحث في القانون .
إن أبناء الشيخ خصصوا شقة واسعة في الدور الأرضي ؛ لتنفيذ وصية والدهم الراحل ، فكانت مكتبته والدهم العامرة التي مازالت بحاجة للدعم والمتابعة ، والتي ستساعد الباحثين في علوم كثيرة ، فيها اللغة والأدب والفقه والحديث والقراءات والتراجم ….وغيرها من فروع المعرفة .
تأكد لي اليوم المعنى الحقيقي لقول رسول الله : ” ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث ، صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ” ، وأرى أن الثلاث اجتمعن كاملات مكملات ..أهيب بأهل العلم دعم هذه المكتبة الزاخرة بأنواع الكتب في كثير من فروع المعرفة ، كما أتمنى من السادة الاساتذة أو أبنائهم أو ورثتهم أن يكونوا كأبنا الشيخ خميس أهل خير وبر لأبائهم ، وأن يحافظوا على تراثهم العلمي ، خالدا باقيا يُنتفع به ، وينتفع به طلاب العلم والباحثين ، لأن الفريط في مكتبات العلماء ضياع لأثرهم ، وتقليل من شأنهم ، وانتقاص لحقهم …رحم الله مولانا الشيخ خميس ، وبارك ولده وعلمه ، ورزقه الفردوس الأعلى من الجنة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى