رئيسيمقالات صحفية

الاتزان والتعايش مع الاختلاف

بقلم ا.د إبراهيم محمد مرجونة
استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
ورئيس قسم التاريخ- كلية الآداب

 ”التوازن” هو الابتناء على المعطيات الصحيحة -في نظري- لتكوين الأفكار. والاتزان لا يعني صواب الفكرة، بل صواب طريقة التفكير، فإن من مفارقات الفكر، أن سلوك طريق واحدة فيه لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة واحدة.ولو رسمنا خارطة عقولنا الذهنية وتعلمنا من هيكلة أجسامنا العجيبة وقدرتها على التعايش في ما بينها رغم اختلافها الفسيولوجي المور فلوجي في تحقيق هدفها وهو إبقاء النفس في ذلك الجسم لتستمر فيه الحياة, لاستطعنا ان نتعايش مع الاختلافات التي بيننا.

وفي هذا المقال سوف نتعرف على الاتزان الفكري الذي من خلاله سوف يمكننا من التعايش مع تلك الاختلافات, فعدم وجود فكرة كبيرة تحتوي الجميع يؤدي لوجود أفكار صغيرة جزئية متناحرة تدعي كل منها أنها هي الحقيقة المطلقة, وبالتالي ينشأ الاختلاف “هو القاعدة الأساسية والحقيقة الثابتة, مع وجود التشابه الذي يعتبر الاستثناء الصارخ وعليه يجب تقديم الحل المناسب من اجل ان تتعايش المتناقضات في انسجام, وإيجاد نظام قادر على الإنتاج والإبداع لتستمر الحياة في ضل الاختلاف الذي يعتب رحمة بشرط ان تعايش مع ذلك الاختلاف الذي يعتبر ضرورة ملحة”

قد يعتبر الإنسان نفسه مفكراً ويحمل فكر عميق ومتزن ودائماً يصف نفسه أمام الآخرين خاصةً مع من يختلف معهم انه متزن فكرياً وانه وسطي وغير متطرف , وفي نفس الوقت عندما تستمع إليه في نقاشاته و حواراته وتتطلع إلى كتاباته تجده متعصب وأن أخفى ذلك عنك. وهو بذلك يناقض نفسه. السؤال يطرح نفسه .
ما هو الاتزان الفكري؟ وكيف يحقق الإنسان الاتزان الفكري؟

تعريف الاتزان للغة هو التوازن وقد يأتي بمعنى العدالة أو الوسطية أو القصد وكلهن مجتمعات تحت معنى العدالة.
– التوازن من “وزن” وهو في “لسان العرب” رَوْز الثقل والخفة. وقوله عز وجل (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) “وازنه”: عادله وقابله.
– العدل: في “اللسان”: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور, وفي أسماء الله سبحانه “العدل”: هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم.
– الوسط: في “اللسان” وسط الشيء: ما بين طرفيه, فلما كان “وسَط” الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي: عدلاً فهذه هي الوسطية وحقيقة معناها.
– القصد “في اللسان”: استقامة الطريق. وقد يأتي بمعنى العدل

عند الاطلاع على المعاني الدقيقة للمصطلحات السالفة تبين أن هناك معنى واحداً يتردد بينها بمثابة “المشترك المعنوي”، ألا وهو معنى العدل.

 تعريف التوازن اصطلاحاً
قد يعرف “التوازن” على أنه مزج بين طرفين متضادين ينتج عنه طرف ثالث متوسط هو الفضيلة.

قول الله تعالى: (وَالسَّمآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزانَ* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَان), يقف المفسرون عند هذه الآية بمعنى العدل المطلوب في الوزن والكيل عند ابن كثير والطبري .

فعلينا اتباع الوسطية والاعتدال والاتزان فهى حالة محمودة لدى الجميع، وخاصية اساسية من خصائص الدين، ونظام خلقي واجتماعي وسياسي وحضاري، ويعطي الانسان التوازن والحكمة وعدم الميل الى السلوك السلبي او الافراط والمبالغة والغلو، خاصة بالتعامل مع كافة الاطراف ومكونات المجتمع في كافة مناحي العمل والتعامل والحياة.

والوسطية تيار وحس وطني يدعو الى الصفاء والنقاء والاعتدال لمن يريد التغيير والاصلاح وعدم السير مع المنحرفين والمتنطعين والمتسرعين والمنحرفين، فالإنسان يستطيع ان يصنع ثوابته المجتمعية بعيداً عن التأويلات المغرضة او يساير الاهواء او قابلاً للانحراف، بل عليه ان يكون متسامحاً حتى مع نفسه فهذه هي الاستقامة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى