رئيسيمقالات صحفية

تطوير التعليم بين الحاجة والوسيلة

بقلم/ د. بهلول سالم

بداية دعونا نتفق بكل وضوح وصراحة أن طبيعة الحياة قائمة على التغير الدائم والتطوير المستمر وأن من يقف في مكانه يفقد أسباب الحياة ويعجز عن التفاعل مع متغيراتها المتلاحقة. ومن ثم فان منظومة التعليم في مصر لا شك انها فى حاجة ماسة إلى إعادة النظر في سياساتها وطرائقها وعناصرها في شتي مراحلها وأنواعها فهى كغيرها من مقومات الحياة بل جوهرها بحاجة إلى التطوير والتغيير لمعالجة سلبياتها وإصلاح عيوبها و ما تراكم عليها من أخطاء وما سيطر عليها من تقليدية روتينية رتيبة أصابتها بالجمود والتكلس بوسائلها العقيمة وطرائقها الجامدة التى لا تتناسب حتماً والمتغيرات المتلاحقة والسباق المحموم نحو الاخذ بأسباب التقدم ومعطيات التكنولوجيا الحديثة المتفاعلة في العالم من حولنا اعلاوة عن عجز تلك السياسات التعليمية المتوارثة عن تلبية احتياجات الجمهورية الجديدة التى أرادتها القيادة المصرية في تطلعها لتأسيس دولة عصرية متطورة تقوم على معطيات الفكر المستنير والإبداع الخلاق والذكاء الناهض الموظف لعناصر التكنولوجيا ومقومات الرقمنة وسيلة لتسيير شئون المجتمعات والارتقاء بخدماتها اليومية تحت مظلة الدولة الذكية القادرة على التكيف مع مخرجات الحياة الإنسانية فى مختلف مناحيها ومظاهرها لتجد الجمهورية الجديدة مكانها اللائق بها فوق خريطة الفكر الإنساني الخلاق وصفحة الابداع والابتكار القادرين على تلبية احتياجات المجتمع نحو الرفاهية والتقدم وخدمة الإنسان .
وأمام تلك الحاجة الملحة لحتمية التطوير وضرورة التغيير لتلك الحالة السائدة والمتحكمة لسنوات طوال في عناصر المتظومة التعليمية فى الجمهورية القديمة ( مقابل الجمهورية الجديدة ) لايمكن لعاقل يسعى لتطوير ماهو قائم وتغييره للانطلاق به نحو الممكن أو ما يجب أن يكون أن يغفل ظروف الواقع أو يتجاهل طبيعته وتوجهاته وكذا امكاناته ومقوماته المادية والنفسية والثقافية ومدي تقبله لعمليات التغيير وقدرته علي التفاعل معها والتكيف مع معطياتها واجراءاتها فإن مايصلح لمجتمع ليس بالضرورة أن يصلح لغيره أو يستنسخ له دون مراعاة الثقافات السائدة و الفوارق القائمة ليس فقط المادية والاجتماعية بل والنفسية والعقائدية.
إن أقصر الطرق لنجاح خطة التطوير فى أي نظام قائم أو عمل سائد أو هدف مأمول يكمن فى مدى امتلاك القائمين على عملية التغيير والتطوير للرؤية الواضحة التي تعى ماتريد وتفهم ما تفعل لتكون قادرة على التوفيق بين متطلبات الواقع وحاجات التطوير وبين امكاناته المتاحة وقدراته المتحكمة لتحديد خطوات التغيير وخططه انطلاقاً من الاجابة الواضحة عن ثلاثية التساؤلات المشكلة لعناصر خطة التطوير وخطواتها ومراحلها التنفيذية تلك التساؤلات التي تتحدد فى: أين نحن الأن؟!!. وماذا نريد؟. وكيف نريد؟.
إن التساؤلل الأول يسعى إلى التحليل الصادق والأمين لواقع التغيير وتحديد فرصه ومعوقاته، أو بالأحرى نقاط قوته وضعفه حتى يمكن لصانع التطوير أن يسقط خطة التغيير على واقع حقيقى ملموس وفق اجراءات قابلة للتطبيق وقادرة على الاستجابة السريعة لاجراءات التطوير والتكيف مع مخرجاتها وتنأى بها عن الفشل السقوط فى غياهب التخبط وانعدام الرؤية والعجز عن امتلاك الحلول للمعوقات الطارئة التي قد تفرضها تداعيات عملية التغيير والتطوير عندها نقع فى اشكاليات حادة أخصها الاستنزاف المدمر لمقدرات المجتمع واهدار طاقاته لانطلاق عملية التطوير فى المطلق من الأمانى الجوفاء والرغبات العشوائية العاجزة عن التحقيق فنكون عندها كالمنبت الذى أخذ نفسه وناقته بالمشقة والعنت وحملهما دون وعى أو إدراك فوق ما يستطيعون فلا هو قطع أرضاً ولا أبقى ظهراً.
أما التساؤل الثانى فقد جاء ليعلمنا كيف نحدد احتياجاتنا من عملية التطوير . وماذا نريد منها وما الهدف من ورائها.
تلك الحاجة التى تحددها وترسم ابعادها وملامحها ما قدمته لنا معطيات التساؤل الأول الكاشفة عن ظروف الواقع وامكاناته بشتي انواعها وفرصه المتاحة . إن تحديد حاجات المجتمع لتطوير التعليم وتغيير طرائقه وآلياته تنطلق حتماً مما هو قائم وتبنى عليه دون ان تنقضه نقضاً تاماً او تهدمه لتقيم بناءها الجديد فى شكله ومضمونه بعيداً عن تاريخه الطويل وارثه التراكمي وخبراته المتواترة التى يفهمها خبراء التربية وأهل الرأي وأصحاب الفكر المستنير دون تجاهل نظمه القائمة وسياساته المتحكمة ولكن البناء عليها واتخاذها مرتكزاً مؤسساً تنطلق منه عمليات التطوير وتتحدد طبيعته وتوجهاته وغاياته ومراحله التنفيذية بدلاً من تجاهلها وانكار وجودها بحجة عدم جدواها لعجزها عن تلبية متطلبات العصر أو التفاعل مع منجزاته الحضارية رغبة فى التنصل منها أو اقتلاعها من جذورها وفق اجراءات تبادلية تنفى القديم وتهدمه وتتجاهل الماضى وتهمله لتقيم بناءها المزعوم مسخاً لا ملامح له منسلخاً من إرثه ومتنكراً لماضيه فلا هو حافظ علي القديم وطوره ولا فاز بالجديد واستثمره .
إن الإجابة عن أين؟. وماذا؟ تفرض علينا إجابة حتمية عن التساؤل الاخير وهو كيف أريد؟. ذلك التساؤل الذى يعلمنا كيف نحقق التغيير بوعى وإدراك ورؤية كاشفة وفق ما قدمه لنا التساؤلان الأولان الكاشفان عن الحالة والحاجة في أين نحن وماذا نريد؟.
فوسائل التغيير وسبله لايمكن اختراعها او ثطبيقها بعيداً عن أين وماذا؟. فهما اللذان يفرضان الوسيلة وفق ما حدداه لنا عندها تكون الوسيلة ممكنة ومخرجاتها ناجحة ومقبولة فلا نكون كمن يحرث فوق الماء أو يرسم خططه في الهواء أو يصنع اوهاماً لايمكن للواقع ان يراها او لعاقل أن يقبلها أو يتعامل معها. لاننا ببساطة نكون كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء . أو كمن عفن بذاره فلا يرجى له حصاد ولا يطيب له ثمر لملوحة تربته وأجاج مائه وعشوائية سعيه.
إن مصر وهى تنطلق نحو جمهوريتها الجديدة بقيادتها الواعية المخلصة لهى فى أمس الحاجة إلى كل فكر راشد مستنير ، وفهم مبصر خلاق، ويد قوية تبني وعزم صادق يأبى إلا أن يكون عالي الهمة طيب السعي محب لترابه منتمياً لأهله ووطنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى