رئيسيمقالات صحفية

قراءة في شعر الدكتور/ عبدالوهاب برانية

بقلم د.أحمد مصطفى

في ديوانه الخامس (أبطالها القلب والإنسان والقيم) تأخذك جمال اللغة ، ويظهر لك من قراءة الديوان عاشق غارق في نغماتها وتراكيبها.
والدكتور عبد الوهاب يقع أسيرا لقيمه وأدبه وتواضعه الجم ، وحسن ظنه بالآخرين ، ودعوته للسلام والحب والقيم ، والجنوح إلى معاني الإنسانية النبيلة مباركا ومهنيئا ومعزيا ، ومقوما، من هنا كان اختياره لعنوان ديوانه .
وفي كل قصيدة تعلو نبرة العاشق المتيم بلغته الأثيرة ، وتراثه الأدبي ، وحفظه للقرآن والسنة ، وجميل الأشعار، وهذا ليس غريبا من رجل أكاديمي يقضي وقته أستاذا للأدب والنقد، وينشر القيم التربوية والآداب السامية بين بناته في كلية الدراسات الإسلامية والعربية.
ولعل معسول الكلام هداية من الوهاب افاض بها على عبده ،فكتب شعرا على مدار مايقرب من عام ، يبدأ كل قصيدة –كالعادة – بذكر المناسبة التي قيلت فيها ، وكأنه يكتب سيرته الذاتية شعرا كما كتبها نثرا.
ويبدو أن الدكتور عبد الوهاب متفاعل مع مجتمعه، متصالح مع نفسه، متعايش مع آماله وآلامه، وبالدرجة نفسها مع آلام الآخرين وآمالهم يقول في مقدمة ديوانه: ” ولا يكاد يمر عليَّ شيء من ذلك إلا وأجدني منغمسا فيه إلى آخره بكل مشاعري، لكن منطلقي إليه مختلف عما قد يراه الآخرون، فربما مدحت من يستحق المدح،أو رثيت من اختطفته يد المنون، أو هنأت من تحصَّلَ على درجة علمية أو ترقى في درجة وظيفية، أو بكيت لميت وأسيت لمريض، وربما عدَّ هؤلاء الآخرون تلك المشاركات من شعر المناسبات، وهي ليست كذلك؛ إذ منطلقي إليها ودافعي نحوها لم يكن إلا نقطة ضياء التمعت في قلبي وبرقت في طواياي، فتفاعلت معها وتسللت إليها تسلل الماء النمير إلى العود الأخضر، وانسبت معها انسياب الضوء اللامع في الفضاء المظلم، فإذا أنا أعبر عني وعنهم، وأصور ما بي وبهم”
وثلاثية العنوان تضمن لك بداية الدخول في عالم جميل يكتنفه بعض ملامح الشخصية المصرية ، كما جاء في قصائد ( غدير ونهر- وحدي أسافر-زهرة في روض- سباق المجد….وغيرها).
يقول في قصيدته (الفجر قادم ياعصفور طب نفسا):
من نصف عقد مضى قد زج في قفص
من الحــديد بعصفـــــــور فلم يطــــر
وكـــــــــــان قبل طليقـــــــا لايقيــــده
قفل على قفص كــــمذنب خطــــــــــر
ومثل هذه الألفاظ لا تقع عليها عين قارئ متأمل إلا ويرجع إلى مناسبة النص، ليجد الشاعر شاخصا في تراكيبه الفنية إلى حسن التقسيم الذي يؤكد عشقه للتراث وتجلياته الأسلوبية والتركيبية .
فالدكتور عبد الوهاب يعد في طليعة الحركة الشعرية التي ترسي دعائم شعر المناسبات ، وتعمل على الارتقاء بها لغة وصورة وإيقاعاً، فكان شاعراً وإنساناً ، فاتسم شعره بالشفافية وتجلي صوت الروح فاتسعت لغته لكل المعاني المكتنزة والدالة،وإن اختزل بعضها .
يقول في قصيدته (فيروس كورونا):
العالم المطور غبر فضائنا
قد بات موبوءا بداء كورونا
طاف البلاد شمالها وجنوبها
فغدا الوباء الفاتك المجنونا
تجد أن بناء قصائده قائم على فيض روحه، وأن حساسيته المرهفة ، جعلته يندفع نحو الشعر الحقيقي، الذي يخرج من المشاعر الإنسانية،فمثل ظاهرة إجتماعية جديرة بالبحث والدراسة .
وإن كنت أرى أن أهم ما يميز شعره صدقه النابع والصاعد من القلب إلى العقل ، فكان ثمرة رؤية تمتص جذورها من عواطفه ووجد انه ، وان الشعر وطنه الذي نما فيه وترعرع بين أحضانه، وعالمه الموازي لعالم الواقع، وكشف من خلال دواوينه الخمسة عن هويته، وانعكاس نبضات قلبه وخفقات وجدانه وتوق روحه إلى الخلاصٍ .
كما أن شعرالدكتور عبد الوهاب في ديوانه الأخير يحتوي على ديباجة قوية وموسيقى ظاهرة وأسلوب تستسيغه الأذن والروح لهذا فقد تميز شعره بالموسيقا العالية والعناية بالعروض .
“ملامح الجمال الفني في الديوان كثيرة ، لكني أردد أخيرا مع التوحيدي مقولته ” الكلام على الكلام صعب ” وما أصعبه حين يكون النثر وسيلة للتعليق على الشعر الشاعر ، والكلام الجميل ”

ولعل إدراك الشاعر للعلاقة بين خصوبة التجربة الروحية وآليات الكتابة النصية ، جعل أبعاده الشعرية لا تتفجر إلاّ من تجربة داخلية نابعة من إحساسه وصدقه الفني، وعاطفته وفكره ، وصدق من قال: …” شتان بين الشعر والغثيان”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى