رئيسيمقالات صحفية

أم السعد

بقلم دكتور/ عبدالوهاب برانية
الوكيل السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور

هي سيدة ريفية، أربعينية العمر، أو تتجاوز ذلك قليلا، تنبئ معالمها عن جمال فطري اغتالته مآسي الحياة، ويشي جسدها بأنوثة غاربة، لكن بعضا من هذا وذاك يتوارى خلف ندوب وآلام وجراحات، داهمت وجهها تجاعيدُ مبكرة، وتوطنت بناصيتها خطوطٌ عرَضية من توالي الفاجعات وتتابعها، تحمل اسما أو كنية ليس لها منه أدنى نصيب، فقد خاصمتها السعادة منذ فارقت بيت أسرتها فتاةً فائرةَ الأنوثة قويةَ البنية، وألحقت ببيت الزوجية، لتضاف إلى زوج كان الأولى به أن يبقى حياته كلها عزبا، يعتمد على غيره في كل شأن من شئون حياته، فلا هو يصلح لتولى أمر نفسه فضلا عن أمر غيره، وليس بوسع من يتعامل معه حسبانه في عداد الأشخاص الطبيعيين، كما أن من الظلم للرجل حسبانه أيضا في عداد السفهاء والمجانين ومسلوبي الإرادة؛ فأفعاله وتصرفاته تدفع أحيانا إلى حسبانه على هؤلاء وأحيانا أخرى على أولئك، ولكن الذي يثير الدهشة كيف تم ارتباط مثل هذا بمثل هذه، فقد كانت هذه جديرة بأن تضاف إلى زوج يعرف قيمتها ويمنحها النصيب الأوفى من اسمها، لكن يبدو أن أسرتها رأت بعض المغريات في شخص كهذا دفعتهم إلى الدفع بابنتهم دون تردد، كان أول هذه المغريات أن ابنتهم لن تخرج من نطاق شارعهم الذي يقيمون فيه، كما أن هذا الزوج هو البقية الباقية من أسرته وأن ابنتهم ستكون سيدة بيتها وصاحبة القرار فيه، فزوجها كما يقال مقطوع من شجرة، كما أن وراءه بعض الطين الذي يمكن الاعتماد عليه في توفير متطلبات الحياة، لعل هذه المغريات هي التي دفعت بالأسرة أن ترمي ابنتها في ذلك الأتون، وتلقي بها في ذلك الخضم.
ولقد تم ذلك الزواج كأسرع ما يكون زواج، وكأن المسكينة عوجلت إلى قدرها وسيقت إلى ما ينتظرها من شقاء، وكأنها لم تر هذا الزوج ولم تتعرف إليه من قبل، لقد اكتشفت أنها زُفَّتْ إلى زوج هو والعدم سواء، وربما كان العدم أكثر فائدة منه، فحدِّثْ عنه بما تشاء وانسب إليه من ذميم الصفات ما تشاء، فيومه كله يقضيه مستندا إلى حائط الدار، يرقب الغادين والرائحين، يذب الذباب عن وجهه، وينفض تجاويف أنفه في طوايا ثيابه، وقد يغدو إلى المسجد في بعض الصلوات فيصلي خلف الإمام، وكثيرا ما يكسل عن بعضها فلا يصليها منفردا أو ملتحقا بجماعة، وكثيرا ما كان يخرج من جيب صداريه علبة التبغ ودفتر البفرة فيلف واحدة ويشعلها، ويبتلع دخانها أحيانا ويطرده أحيانا، لم يُرَ يوما ما في صفوف العاملين المتكسبين، وربما تقول يا قارئي: ألم تخبرنا بأن لديه بعض الطين ضاق أو اتسع؟ فهل كان يهمل ما لديه من ذلك؟ بلى يا قارئي أخبرتك بما لديه من ذلك، ولم أخبرك بأنه كان يؤجره ويعيش على عائده المحدود أضيق عيشة، ولكن أم السعد قررت أن تسترد القراريط المحدودة من مستأجريها وأن تقوم على زراعتها بنفسها وبمعاونة زوجها، ولكن يبدو أنها لم تجد منه عونا، فقصارى ما يفعله أن يغدو لمتابعتها فيما تنجزه من أعمال، غير مبال بنظرات الناس وامتعاضهم من بطالته وتواكله، لقد عرف الناس قدراته وخبروا جهده وأنه لا يصلح لشيء، وراحوا يعولون على زوجته في إصلاح حاله وتغيير شأنه، ولكنها لم تفلح في بث النخوة فيه بشكل أو بآخر، فقررت أن ترتب حياتها في وجوده على عدمه.
لم يكن “السعداني” هذا يشكو من اعتلال بالجسد، فلم يتردد يوما على مشفى أو عيادة خاصة، كما أنه ليس بمقدور من يراه احتسابه على الأصحاء لما يبدو عليه من الوهن والضعف ورقة الحال.
تولت أم السعد شؤون بيتها وحقلها منذ الأسابيع الأولى من زواجها، ولم تنكر أسرتها عليها ما تقوم به من هذه الأعمال، فكأنما استفاقوا من غفلتهم وتنبهوا لخطئهم مؤخرا، فأدركوا أن زوجها لا يصلح لشيء، وأن على ابنتهم أن تقوم بعبء نفسها وبيتها.
مرت أشهر من زواجها، ثم أحست أم السعد بجنينها الأول يتحرك في أحشائها، فراجعت طبيبة الوحدة الصحية، فأكدت حملها، ومرت أشهر الحمل ثقيلة أشد ما يكون الثقل على امرأة مثلها، لقد وفر لها أهلها بعض احتياجاتها رغم حاجتهم وفقرهم، ولم يمنعها ذلك من متابعة أعمالها في المنزل والحقل على السواء، وبانتهاء أشهر الحمل تضع أم السعد توأمين (ذكرا وأنثى) وكانت فاجعتها الكبرى أن هذين الطفلين كانا من ذوي الإعاقة الذهنية الشديدة، بكت أم السعد كما لم تبك امرأة على فاجعة، ولكنها استفاقت على ومضة من نور، استشعرتها بين جوانحها، كأن يدا حانية قد ربتت عليها، وكأن نداء داخليا يخاطبها: ربما كان شقاؤك لأجل هؤلاء هو بداية الطريق إلى النعيم الخالد والحياة الباقية، قررت أم السعد أن تكمل مشوارها وتؤدي دورها إلى آخره، راحت من ساعتها تقوم بوظيفتها في البيت نحو زوجها وصغيريها، وفي الحقل نحو مصدر رزقهما، وراح الصغيران يكبران على غياب عقلهما، وراحت أمهما شيئا فشيئا تفقد السيطرة عليهما، فإذا عادت مع المساء من حقلها افتقدتهما، فلا تجدهما ولا تجد خبرا عنهما عند أبيهما الذي تمدد إلى جوار حائط الدار، فتمضي المسكينة خلفهما تبحث عنهما في شوارع القرية وعلى مشارفها حتى تعثر عليهما فتردهما آسفة موجوعة القلب والجسد مهدودة البنيان، ثم ما إن تطعم زادها وتصلي فرضها حتى تستسلم للنوم من هدد النهار وكدحه.
وكان أشد ما يؤلم أم السعد ويقلقها ظهور أمارات الأنوثة على ابنتها، فكانت لوا ستطاعت أن تحجبها وتحتجزها في الدار لفعلت خوفا عليها، ولكن أنى لها أن تفعل ذلك، فما ابنتها ببهيمة حتى تعقلها في الدار كما تعقل الدواب، فتركتها أم السعد تسوم كما تسوم الأنعام وقد يئست من أن يقوم زوجها بدور نحو ابنه وابنته، وفي إحدى روحاتها مع الأصيل تفتقد المرأة ولديها، فتمضي كعادتها تبحث عنهما على مشارف القرية فيعييها البحث، وراحت تسأل الناس عنهما لعل أحدا يأتي عنهما بخبر، ولكن دون جدوى، فتهيم على وجهها كالمجنونة وقد كسا الليل بجلبابه الأسود صفحة القرية، لكن أم السعد لم تفقد الأمل في العثور عليهما، فأمست تقطع الطرقات ذهابا وجيئة، تتخطفها المخاوف من كل جانب، وتسترق السمع لكل شاردة وواردة، وتنظر في الأجواء بعين صقر، فتلم بأنين متقطع فتهرع إليه بين المقابر لتجد صبيتها غارقة في نزيف متواصل، وهي تئن من الألم، فتصرخ أم السعد صرخة مدوية فيتوافد أهل القرية على الصراخ، ليحملوا الصبية جثة هامدة فقد اغتال عذريتها ذئب بشري وتركها بين اللهو والأنين حتى تخرمها الموت، بينما كان توأمها يطارد دبابير الحقل الملونة حتى ضل الطريق، ولم يعد إلى أمه إلا مع منتصف الليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى