رئيسيمقالات صحفية

من حياتي (3)

بقلم الدكتور/ عبدالوهاب برانية
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور سابقًا

تعرفت إلى نفسي مبكرا، وسعدت بهذا التعرف، وما أظنني شقيت بسببه في مرحلة من مراحل حياتي كلها، فمن تعرف إلى نفسه فقد أمن من شقاء التيه في البحث عن تلك النفس، وكم من أناس عاشوا الحياة وما عاشوها! واغتنوا في الحياة وما تبقي في أيديهم منها إلا بمقدار ما يتبقى في اليد إذا قبضت على الماء أو الهواء!.
أقول:تعرفت إلى نفسي، وقليل من الناس من يتعرف إلى نفسه، وقليل منهم من يعرف هدفه فيريح ويستريح، ولقد كان أول موقف تعرفت فيه إلى تلك النفس كما حدثتك قارئي العزيز هو ذلك الموقف الذي بكيت فيه بشدة بعد ترديد الصبيان أغنية (يا حبيبة مدي دبحنا جدي) فقد كنت ابن أعوام قلائل، لاأستوعب ما وراء الكلام من مبالغات وخيالات، فظننت الأمر يمضي على حقيقته وأسقطت ذلك على جدتي (فاطمة) وكان ما كان مما حدثتك عنه من قبل، حينئذ اكتشفت في نفسي معاني أراها قد أفصحت عن نفسها من وراء هذا الموقف، أدركت أني سأكون مرهف الحس، شديد التأثر بالمواقف، سريع التجاوب مع آلام الآخرين، دائم الإحساس بهمومهم وقضاياهم ومشكلاتهم، أسعى في إيجاد حلول لها، وهذا ما ينبئ به رد فعلي تجاه هذا الموقف العابر في صدر طفولتي.
استشعرت صدق ذلك في حياتي كلها، حتى ألفيتني لمآسي الآخرين كأنني تحولت إلى كتلة من أسى، ولآلامهم كأنني أشد وجعا لها منهم، ورأيت دموعي تتحدر مرات عديدة لا أحصيها لآلام أشخاص ربما لم تسعفني الأيام بالتعرف إليهم، ورأيت مزاجي على إثر بعض آلام الآخرين مضطربا قلقا غير مستقر ولا مطمئن، وكأن ما أصابهم أصابني قبلهم، وما حل بهم قد حل بي معهم، ورأيتني على إثر بعض هذه المواقف تتحدر دموعي لا يكفكفها إلا شواغل الحياة، وربما تقول يا قارئي العزيز: هلا ذكرت لنا بعض تلك المواقف التي أثارت دموعك وأشجانك وتعرفت من خلالها إلى نبوءتك الأولى التي وقفت منها على بعض سجاياك! وإني لمجيبك يا قارئي إلى بعض طلبك، غير أني لن أكثر لك ولن أثقل عليك، فما أكثر المواقف التي استدرت الدموع واستجلبت الأشجان واستقرت في أعماق الوجدان!
عندما كنت متعاقدا مع جامعة الباحة السعودية في عام ألفين وأحد عشر، كانت أسرتي الصغيرة زوجتي وتوءماي محمد ورحمة برفقتي، وبعد أن استقر مقامنا بمدينة الضباب (الباحة) وتعرفت إلى بعض الزملاء والمقيمين من المصريين، إذ بأحد هؤلاء يتصل بي للمشاركة في تشييع جثمان صيدلي مصري سيحتضنه ثرى تلك المدينة مع غروب شمس ذلك اليوم، لم أكن أعرف الشخص المتوفى ولم يذكر اسمه أمامي من قبل، مما دفعني للسؤال عنه وعن ملابسات الوفاة، فعرفت أنه شاب في مقتبل العمر، لديه طفل واحد ابن سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأنه جاء إلى المدينة منذ أيام قلائل، وتسلم عمله في إحدى الصيدليات، لكن حانت لحظته وتوفي في مقر عمله، وبعد الاتصال بأهله لإبلاغهم وأخذ رأيهم في دفنه بأرض الباحة كان على كل مصري أَلَمَّ بتلك المأساة أن يشارك في مراسم تشييعه، ذهبت مع بعض الزملاء لشهود التوديع، وقد كانت المرة الأولى التي شهدت فيها موقفا كهذا الموقف المأساوي، لقد حضر المشهدَ الكثيرُ من المصريين من المقيمين بالباحة، وتصفحت وجوه الجميع فوجدت صفحاتهم قد علاها الأسى وخيم عليها الوجوم، وقفنا جميعا بانتظار إيداع الجثمان حفرة عميقة أعدت له،ثم وقعت عيناي على سيدة في مقتبل عمرها وإلى جوارها يقف صبي في سنيه الأولى، والجميع يتحلقون حول الحفرة العميقة بانتظار مقدم السيارة التي تحمل الجثمان، وعند مجيئها وعند رفع الجثمان على الأكف، سمعت تهليلا كثيرا وترجيعا عاليا، وبين ذلك التهليل والترجيع وقعت عيناي على الصغير الذي كان في توديع أبيه والزوجة التي وقفت لتوديع زوجها فرأيت انهمار الدموع تجري في أخاديد الوجه، وما كان بوجه هذين من أخاديد، غير أن المشهد القاسي صنعها، ورأيتني تتحدر دموعي بلا انقطاع، وأمدني من يقف بجواري بعلبة مناديل ورقية لتجفيف الدموع، وما كان بي حاجة إليها، ورأيت غير نفر يعزونني كأن المصاب مصابي لما رأوا من شدة تأثري، ورأيت غير نفر ترمقني أعينهم وتطوف في أخيلتهم أسئلة لو أطاعوا الفضول لسألوها غير أن المشهد لم يستجب لهذا الفضول، ورأيتني وقد عدت إلى مسكني منفطر الفؤاد، مكلوم الوجدان، متطاير الجنان، تتصدر صورة الصبي كل المشاهد، وتتأخر دونها كل المشاهد، وظللت على ذلك أياما عديدة وشهورا مديدة، ولا تزال الصورة قابعة في الذاكرة لم يمحها كر الأيام ومر الليالي وقد مضى عليها عِقْد من الزمان، ولا تزال تحتفظ لنفسها بموقع فريد بين مشاهد عديدة ومواقف فريدة.
يتبع إن شاء الله تعالى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى