رئيسيمقالات صحفية

وفاء وعرفان

بقلم الدكتور/ أحمد مصطفى

 

مولانا الشيخ زيدان الأشقر:
(1946-2007م)

مات وما في قلبه حقد ولاغل ولاضغينة لأحد ، كيف وهو من يقدم النصح والصلح ، ويعقد خطب الزواج والرباط؟! وهب حياته للعلم ، واجتهد في إعلاء كلمة الله ، وشرح في خطبه مفاهيم الإسلام الصحيحة، فجذب إليه قلوب أبناء البلدة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، عاش علما ومات علما ،،ملأ علمه العقول فتربت، وصارالخطباء يقلدونه في مطالع خطبه ، وأحاديث السيرة ومواقف السلف.
كانت مشاغله كثيرة وهمومه بالفقراء من أهل بلدته أكثر ، فهو رئيس لجنة الفتوى ومعلم الفقه المالكى وشيخ مقرأة مسجدى الفتح والرضوان ، ابن القرية البار ،فقد بصره وهو فى العشرين من عمره، وكان لا يعرف القراءه والكتابه، فانكب على حفظ القرآن ، ودرس العلوم الشرعية ، والتحق بمعهد القراءات ثم كلية الدراسات الإسلامية .
خطيب كلامه جوهر، وعالم عامل ، دقق في العلوم الشرعية ، حتى أوضح كنوزها عبر وقوفه أمام طلاب الأزهر في معهد إيتاي البارود الديني ، معلما للفقه المالكي ،وفقه المواريث، جال وصال نظرا ببصيرته ، بكلام جَلَّاه، وكمال مكّن علاه، فَسَاد بين العلماء اسمه، وطاب بين الناس ذكره ،وعاد بالظفر من اهتدى بأثره.
إنه مولانا الشيخ زيدان ، وحق على كل طلابه ومستمعيه أن يينادوه مولانا ، بعدما علا قدره بعلم غزير، ولسان فصيح صحيح وبناء إسلامي ملتئم الأجزاء، ملموم الثواء، يجيء كأنه قطعة واحدة، يقيس الأمور بحكمته، ويخطب وده المرشحين لشعبيته، ويحوز الفضل بكياسته، حتى كاد يعرف من ينصره في مذهبه ويستهديه ، ومن يستعماه ويواريه ، مات وفي قلبه إيمان وخلفه دعوات بالإخلاص تملأ الأفواه وتُفتح لها أبواب السماء. .
ولي معه كثير من الذكريات ، فقد شملني بعطفه وحبه ورعايته ، وكنت حريصا على لقائه في كل جمعة ،وإذا غبت عنه سأل عني، كنت ومازلت أذكره فضله ، وأتحدث ولاحرج عن مساعدته لي ماديا ومعنويا ، ومدى فخري بوقوفي بين يديه متعلما ، وكان كلما دخل فصلنا ونحن في أعتاب المرحلة الثانوية يسأل عني والشيخ ملاح ، وينادي بصوته الجهوري يا أحمد اكتب مات وترك …فإذا ما أجبت ينشرح صدره ويقول أحسنت ياولدي ادخل مسرورا .
كان الشيخ يتابع خطواتي الدراسية ويشجع اجتهادي وكفاحي ، وكان أول الحاضرين لمناقشة رسالتي للماجستير ، وله مع المناقشين عتابا ، فقد أطالوا الوقت وهو مريض سكر فلم يغادر حتى احتضن وبارك وقال ياولدي امض في طريقك وفقك الله.
أذكر موقفه الصارم والحازم في إدارة الصف ، وإدارة الحصة ، أذكر تلك المرة التي اراد أحد الطلاب أن يخرج دون إذنه فشعر به ، ووبخه ،وكأنه يقول له بلسان االحال يا أعمى البصيرة أتريد أن تغش أعمى البصر؟!
وفي يوم الأحد الدامي الذي صرع فيه أناس من أبناء قرية صفط الحرية على الطريق الزراعي قرب محلج إيتاي البارود سنة 1992م انتفضت البلدة كلها بحثا عن أبنائها، وكانت شقته قرب المعهد ، استدعاني ووحيد وملاح ، فلما وجدنا حوله قال :الحمد لله أولادي بخير.
ومن انصافه وعدله وطيب قلبه واكباره للعلم والعلماء ، تعنيف ابنه حسام حبن اصطدم مع أحد معلميه ، فاستحيى المعلم أن يأخذ موقفا يغضب الشيخ ، فلما علم ذهب للمعلم بنفسه واسترضاه ،وقال :ماذا لوكان غير حسام؟! قال : لاباس يامولانا إن الله غفور رحيم ، لكن الشيخ نهره وقال ابني أخطأ والمجتمع ليس غفورا ولارحيما ، ولن اقبل عليه وعليّ أن نفقد قدوتنا وإنصافنا ونغير من عدل الله شيئا ، وكلم الشيخ القط – وكان شيخ المعهد وقتها- في معاقبة ابنه فقرر الفصل من المعهد أسبوعين ..رحم الله مولانا الشيخ زيدان ، كان نقيا تقيا ، بشوشا أنيقا ،فاضلا عالما ذواقه ، سخيا ، مضيافا ، يحب الله فأحبه الله وأحبه الناس .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى