رئيسيمقالات صحفية

من حياتي 2

بقلم/ د. عبدالوهاب برانية
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور سابقًا

لا تدري يا قارئي العزيز حجم السعادة التي تجللني عندما أكتب إليك، في أي شكل من أشكال الكتابة الفنية، ولست بمستطيع الوقوف بك عند حد معين من هذه السعادة؛ لأني أنا نفسي لا أستطيع الوقوف على هذا الحد، فمتعتي بالكتابة إليك تفوق كل متعة وسعادتي تفوق كل سعادة، ولكن لمَ كل ذاك؟ أليست هي كتابة كغيرها من الكتابات الأخرى؟ أم أنها تتميز عن غيرها بميزات تمنحها كل ذلك؟
الحقيقة المؤكدة أنها كتابة أدبية، تتفق مع غيرها وتختلف عن غيرها أيضا، أما اتفاقها مع غيرها فبما فيهما من الصواب اللغوي والرؤى الفكرية، وأما اختلافها عن غيرها من ألوان الكتابة فبما تتضمنه من أسلوب أقرب ما يكون إلى السرد القصصي والحكي المشوق، وبما تنقله أيضا للقراء من مجموعة الخبرات الشخصية والتوثيقات الحياتية في حياتي الخاصة والتي تتشابه إلى حد كبير مع حيوات الآخرين، فيجدون أنفسهم في هذا القص وذلك الحكي، وكأنهم يطالعون صفحة حياتهم في صفحة حياتي، وإني لأستشعر ذلك من شهادات قرائي، وإقبالهم على هذه الكتابات، كما أن من مصادر تلك السعادة ما تنقله تلك الكتابات من ذكريات قديمة وجديدة وجماليات الماضي بعبقه وأصالته التي طالما نتوق أنا وقرائي للوقوف على آثاره واستدعاء ما كان فيه من قيم لا تزال تخيم بجمالها وجلالها على حياتنا.
أما لماذا اخترتُ لهذه الكتابات الجديدة اسم (من حياتي) فلأنها لم تفارق دروب هذه الحياة، وأني لا أعدها إلا جزءا منها لا يمكن فصله عن هذه الحياة بأي حال من الأحوال، فأوراق الماضي التي اكتملت ستنظر إلى تلك الكتابات الجديدة على أنها ربيتها وشريكتها في مسرح هذه الحياة، غير أن الأوراق الفائتة تنقل لك وحدها صورة مكتملة عن شخصية كاتبها، بينما (من حياتي) قد لا تستطيع لو اكتفيت بها أن تكشف لك عن معالم تلك الشخصية ولا تطلعك إلا على أثارة من تلك المعالم، فيمكنك أن تعد (أوراق الماضي) زلزالا كبيرا وأن تعد (من حياتي) بعض توابعه، وعندما أطلق على الأوراق زلزالا فأنا أعي ما أقول؛ فلطالما تفجرت الأوراق من داخل نفس إنسانية مفعمة بالذكريات التي انطمرت في الذاكرة أو كادت الذاكرة تطمرها، لولا ذلك الزلزال المتفجر في عالمي لما استطعت رسم تلك الصورة المكتملة لشخصيتي التي صورتها أوراق الماضي، وإني لعازم على استجماع آثار ذلك الزلزال في هذه الكتابات الجديدة.
وأول ما أوقفك عليه يا قارئي العزيز من حياتي أني تعرفت إلى نفسي مبكرا، وربما تقول: كيف تعرفت إلى نفسك مبكرا؟ وما أهمية ذلك بالنسبة لك؟ وهل هناك من الناس من لم يتعرف إلى نفسه؟ فأقول لك: إن تعرف الإنسان إلى نفسه هو أول سلمة في درج الاستقامة وخطوة من خطوات الاستواء الذي حدثتك عنه كثيرا في أوراقي، ولا أمل من الحديث إليك فيه، أقول لك: تعرفت إلى نفسي مبكرا، وعرفتها معرفة خبير، وأنست بتلك المعرفة حياتي كلها، فتعرفت في تلك النفس إلى جوانب لا أراني أنساها أبدا منذ كنت طفلا صغيرا ألعب مع الصبيان في الشوارع المحيطة ببيتنا الريفي، فقد كنا نلعب على سجيتنا النهار كله وبعضا من الليل، وكنا نمرح في تلك الساعات النهارية أو الليلية تجللنا السعادة وتأخذنا إلى آفاق بعيدة في أعماق النفس الإنسانية، وكان أول ما تعرفت إلى نفسي في السنين الثلاثة الأولى من حياتي، ولا زلت والله أذكر ذلك جيدا وهذا من فضل الله عليَّ، أن مشاهد كثيرة من هذا القبيل لازالت محفورة في ذاكرتي رغم تباعد الزمن وتراكم الأحداث وانقضاء المراحل العمرية المرحلة تلو الأخرى، ورغم ذلك التباعد وذينك التراكم والانقضاء فإن بعض المشاهد لا تزال كما قلت لك يا قارئي العزيز محفورة في جداريات الذاكرة، لا تفارقها ولا تريد أن تفارقها وكأنها تدرك قيمة نفسها ونفاسة مقدارها فتتأبى على المفارقة وتتمنع على التلاشي والامحاء، لازلت أذكر يا قارئي أول مشهد تعرفت فيه إلى نفسي في تلك السن التي كنت أجري فيها وألهو مع الصبيان على غير هدى ولا وعي لما نأتي ولما ندع، كان بعض الصبية الكبار المدركين بعض الإدراك المفرقين بين الجد والهزل يقودون أمثالهم من الصغار غير المدركين إلى ألوان من اللهو واللعب، وكنت في تلك السن المبكرة الموغلة في التبكير واحدا من هؤلاء الصبية المقودين الذين لا يدركون ولا يفرقون، فكنا إلى التقليد والترديد أقرب منا إلى الاعتماد على أنفسنا في الإنشاء والتأليف، لازلت أذكر أني مضيت مع جموع الصبية ذات مساء نطوف في شوارعنا مرددين كلاما مسجوعا لا أدري مصدره ولا أذكر منه إلا القليل، تنطلق به بعض الحناجر وتردده في تنغيم وتنسيق جموع الصبية ما بين واع له وغائب عن وعيه، وكنت أنا من هؤلاء المرددين دون وعي، لكن الوعي قد أتى عند النوم وتمثل بعد الغفوة، كان الصبية يرددون بعض الغناء الشعبي ويهرفون بما لايعرفون، وكان مما يرددون بصوت مرتفع وتأخذهم الحَمِيَّةُ في التنغيم والترديد كلَّ مأخذ، وتمضي بهم الهمة والنشاط إلى أقصى غايتهما، كان مما يرددون جملة لا أنساها، كانوا يقولون: (يا حبيبة مِدِّي دبحنا جِدِّي) وكانت هذه الجملة تتردد بين جمل أخرى لكنها كانت الأبرز من بينها جميعا والأكثر تأثيرا في نفسي من غيرها، ظللت أجري بين جموع الصبية وأردد كما يرددون لكن شيئا ما كان يعقد لساني ويكاد يشل تفكيري، ويصرفني عن اللعب مع الصبية والترديد خلفهم، لم يكن هذا الشيء سوى التفكير في الجملة المذكورة، فقد كانت جدتي لأمي لازالت على قيد الحياة، وكنا ندعو الجدة بالحبيبة، فنقول حبيبتي فلانة بينما نقصد جدتنا فلانة، ووجدتني أسقط هذه الجملة على جدتي وأخلط الهزل والجد اللذين لا أميز بينهما ببعضهما وتصورت أن الأمر جد خطير، وأن الأطفال يستنجدون ويستغيثون بجداتهم لإنقاذ أجدادهم، ورغم أني لم أر لي جدا لأبي أو لأمي فقد ماتا قبل مولدي بعقود طويلة، ولكني فقدت التمييز ووجدتني أنصرف مذعورا إلى بيت جدتي وكان على مسافة قريبة من مدارج الأطفال، ولم أكن أذهب إلى بيتها إلا بصحبة أمي، ففوجئت جدتي بي أطرق بابها قبيل العشاء وأرتمي في أحضانها باكيا خائفا وجلا، تغمر دموعي صفحة وجهي، وينتابني خوف شديد من مصير لم أفصح عنه، قلقت جدتي قلقا شديدا مما أصابني وظنت أن بعض الصبية قد آذوني، فراحت تتهدد بالتنكيل كل من عساه يكون قد ألحق بي أذى أو تسبب في بكائي، لكني قلت لها (يا حبية فين جدي؟ هل هو بخير) ففهمت جدتي أن الصبية يتغنون بما وصل إلى سمعها، وأنني أسقطت ذلك على جدي وجدتي، فاحتوتني في حجرها وراحت تهدهدني حتى أخلدت إلى نوم عميق ولم أفق إلا على صوت أمي وقبلاتها وأنا في بيت جدتي.
كان ذلك أول تعرفي إلى نفسي في تلك السن المبكرة التي لا يعي فيها الصبية غالبا كنه ما يرددون ولا مغزى ما يقولون.
يتبع إن شاء الله تعالى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى