مقالات صحفية

من حياتي (1)

بقلم / د. عبدالوهاب برانية
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور سابقًا

هذه نافذة جديدة فتحتها لأطلَّ على قرائي من خلالها، وربما تساءل البعض: أتكون هذه النافذة مكملة لأوراق الماضي التي أُغْلِقَتْ حلقاتُها عند الحلقة الحادية والثلاثين بعد المائة؟ أم أنها نمط جديد في الكتابة ومنحى مغاير عن سابقتها؟
لقد اعتدت التواصل على مدار عام أو أكثر مع قرائي ومتابعي صفحتي على (الفيس بوك) لنقل صورة حية من واقعي الذي عشته منذ مرحلة الطفولة المبكرة وحتى اللحظات الراهنة من حياتي، ولقد استطعت من خلال تلك الأوراق أن أقدم نموذجا من السيرة الذاتية مختلفا عن تلك السير التي يطالعها القراء، للمشهورين والمغمورين من الكتاب، والمؤلفين، والمفكرين، وأصحاب القرطاس والقلم، وليس اختلاف سيرتي عن تلك السير المشهورة والمغمورة أو تميزها دونها راجعا إلى تفوق أو نبوغ، أو استحقاقها مكارم لا تصلح إلا لها، وإنما الاختلاف والتميز منشؤهما من ذلك النقل الواقعي لأحداث الحياة، والصدق الملحوظ في ذلك النقل، دون تجميل أو تزويق يخرجان الأمور عن طبيعتها، والأشياء عن أصولها، ومَرْحَى بالتميز إن كان من هذه الناحية، ثم إني قد مضيت في الأوراق إلى غاية ما كنت أطمح في الوصول إليها، ولا أؤمل في بلوغها، عالجت فيها كثيرا من الأحداث العامة والخاصة، وتناولت مراحل تعليمي كلها، لم أغفل منها مرحلة، إلا وفيتها ما تستحقه من الذكر، حتى أضحت صورة تلك المراحل شبه مكتملة لا ينقصها شيء، اللهم إلا ما تفلت من الذاكرة فلم ترصده في حينه، ولم تستدركه إلا بعد اجتياز أوانه، ثم اكتملت الأوراق على هذا النحو، بما جاءت عليه من سرد ممتع، وصدق فني بديع، فراقت للعامة والخاصة، ورقت لها قلوب ما كنت أظنها ترق إلا لأسلوبٍ خُلَّبٍ، أو تجربة عميقة قوية وآسرة، وقد رأيت بعض الموهوبين ممن نذروا أنفسهم للقرطاس والقلم، يركنون إلى تلك الأوراق، ويزعمون أن فيها ما يعجب، وأن وراءها بعض الطلاء، وأنها تنطوي على غير قليل من الزاد، ثم راحوا ينبئون عن شيء من ذلك في كتابات متفرقة أو مجموعة، فأعطوا للأوراق بعض الثقة ومنحوا ساردها بعض الوثوق، وكأن هذا الإقبال قد راح ينفخ في نار تجربة مخبوءة تحت الرماد، فأحيا منها ما أوشك أن يخمد، وأجج فيها ما كان متواريا وكاد يتلاشى تحت الرماد، فكان ذلك باعثا على الكتابة من جديد، ودافعا إلى استئناف السرد، ولكن تحت مسمى آخر، لا أراه بمبعد عن سابقه، ولا بناء عن طريقه.
أما المسمى الآخر الذي ستصدر عنه تلك الكتابات الجديدة فسيحمل عنوان (من حياتي) ليكون مجاله تلك الحياة، ولكنه لا يمضي وفق ترتيبها، وستكون مهمة هذا العنوان أن يكشف عن جوانب من تلك الحياة، قد تكون أوراق الماضي أغفلتها، أو أرجأتها إلى أجل غير مسمى، لكنها على كل حال لن تعدو حياتي أو تتجاوز آرائي وأفكاري، وستأتيك تلك الكتابات الجديدة كلما سنحت فكرة أو سمحت خاطرة، وستجدني كما عهدتني، ولعلي أستقبل من حماسك ما لم يفتر، ومن إقبالك ما لم يدبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى