رئيسيمقالات صحفية

من أوراق الماضي

كتب/ د. عبدالوهاب برانية
الوكيل السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور

مضت حياتي الجامعية على نحوما حدثتك يا قارئي العزيز؛ لم أتغافل لحظة واحدة عن الهدف الأسمى الذي رسمته لنفسي، والأمل الأكبر في أن أحقق رغبة أسرتي بإتمام تعليمي، والحصول على الشهادة الجامعية لأكون الابن الوحيد من بين تلك الأسرة الذي يقطع في تعليمه هذا الشوط البعيد، محققا به آمال أسرته وواضعا إياها في عداد الأسر التي يشار إليها، على أن بها ولدا يجلب لهم الفرحة كل عام، ويبنون عليه الآمال في تحقيق مراداتهم في تلك الحياة.
وكم كنت أتخيل أسرتي ومصيرها لو لم أكمل تعليمي، فقد كان والدي من صغار الموظفين، وقد بلغ سن المعاش قبل اثني عشر عاما من تسلمي وظيفتي مدرسا بالأزهر الشريف، ولم أكن أول موظف في أسرتي بعد والدي، فقد توظف أخي الأكبر (علي) بعد انتهاء خدمته العسكرية، حيث ألحقت الدولة جنودها الذي شاركوا في حرب أكتوبر 1973م بمؤسسات الدولة وسلمتهم وظائف حكومية بموجب شهادة الخدمة العسكرية، وكانت وظيفة أخي بشركة الغزل والنسيج بكفر الدوار، فتزوج وأقام بتلك المدينة، ولم تنعكس آثار وظيفته على الأسرة من الناحية المادية؛ إذ كان مسئولا عن أسرة صغيرة وراتبه لا يكاد يفي إلا بمتطلباتها، غير أني كنت أراه في مناسبات مختلفة يقدم بعض قطع القماش هدية لوالدي ووالدتي، لذلك اعتبرت أسرتي أن وظيفة أخي لم تضف للأسرة جديدا، فقد قامت بعبء فرد فيها، ولم تمتد آثارها إلى غيره إلا في أضيق الظروف، وجاءت وظيفتي أنا في 14/4/1990م لتعضد معاش الوالد الذي راح يمضي وئيدا محملا بهموم ثقال منذ سنة 1980وكاد هذا المعاش يلفظ أنفاسه لولا أن وظيفتي منحته قبلة الحياة من جديد.
انقضى عامان على توظفي بالأزهر ورحل والدي قبيل نهاية عام 1992م، وتحول معاشه إلى مستحقيه: (والدتي وشقيقتي الصغرى وشقيقتي الكبرى الأرملة التي تستحق المشاركة في معاش والدها) وهنا بدأت رحلتي مع الحياة تأخذ شكلا مختلفا؛ إذ رحت أتحمل مسئولية أسرتي كلها، وقمت بدور والدي وواجباته نحو أهلي جميعهم.
كان كل واحد من شقيقيَّ يقيم في مكان مستقل عن الأسرة، وكنت أنا أقيم مع أسرتي (والدتي وشقيقتي الصغرى) في المنزل الذي تركه والدي، وكنت ولازلت أحمل هموم الجميع، وأعد نفسي في منزلة الوالد من الجميع، ورغم أني أصغر ما أنجب والداي رحمهما الله فإنني أعد نفسي أكبر ما أنجبا بما أتحمل من مسئولياتهم وما يتنازعني من همومهم، وما أتولاه من تضحيات لأجلهم.
وأراني الآن يا قارئي العزيز قد بلغت في سرد سيرتي حدا طال الحديث معه طولا مفرطا، وما كنت أحسبه سيبلغ تلك الدرجة من الطول، التي أخشى أن يصيبك معها الملل، أو يلحق بك من جرائها السآمة والضجر، فتفقد الأوراق الهدف الذي كتبت من أجله، ولا أظنها كتبت للتسلية وقتل الوقت، وإنما هي صورة من صور البوح، يلجأ إليها كاتب الأوراق للتعبير عما يحمله من مشاعر لأيام عاشها وأحداث مرت عليه، وأشخاص تعامل معهم.
ولا أخفي عنك، أني عندما بدأت كتابة الأوراق ما كنت أتوقع أن تمضي الأوراق على هذا النحو، وما كنت أنتظر أن تبلغ هذا المدى، ولا كنت أحسب أني سأعرض من الأحداث والأشخاص ما عرضت، فقد كانت تساورني شكوك في ذلك كله، وقد كانت تعترضني عوارض، كانت لو تمكنت كفيلة بأن توقف هذا المد السردي في بداياته، وتحجب عن القارئ هذه الحلقات الممتدة، ولكني كنت أجدني مدفوعا في الوقت نفسه نحو استمرارها واكتمالها اندفاع السيل من قمم الجبال إلى السهول والوديان، وما أحسبني في ذلك إلا مُعَانًا على ما أنجزت، وما العون والتوفيق إلا من الله عز وجل، فما أظنني كنت قادرا على المضي في كتابة أوراقي دون عونه وتوفيقه، فلله الحمد والشكر.
ولقد جلست إلى تلك الحلقات، أعاود قراءتها، وأنظر فيما سطره القلم، وحلق فيه الخيال، وباح به القلب والوجدان، فأجدني قد نقلت إلى قارئي صورة صادقة عن حياتي كلها بمراحلها العمرية، منذ كنت صبيا يعي ما يدور حوله ويختزن في ذاكرته القليل والكثير من تلك المرحلة الباكرة وما يليها من مرحلتي الشباب والكهولة، فإذا بالسرد لا يهمل من تلك المراحل شيئا كانت له بصمة في حياتي أو أثر في تكويني، وإذا بالسرد يعرج على شخوص ما كان يُظَنُّ أنه سيعرج عليها، أو يقف عندها، فلطالما كان لهؤلاء الأشخاص أثر ما في حياتي الخاصة فهم مستهدفون للسرد والحكي، وكنت أجدني أواجه عدة تحديات، منها أنني سأذكر بعض الناس في أوراقي وأغفل البعض، وأتصدى لبعض المواقف وأتجاوز بعضها، وكنت أعلم أن تلك الخطة ربما أرضت بعض الناس وأسخطت آخرين، وإن ابتلع الراضون رضاهم والساخطون سخطهم،وأعلم أن تلك الأوراق سيقف عليها بعض المسموعين من ذوي الأقلام وسينغضون رءوسهم ويجحدونها ظلما وعلوا، وربما قالوا في أنفسهم أو في ملئهم: ما لِهذا المنكور المغمور يضع نفسه في موضع الكبار من المشاهير والمجربين؟ وأي شيء سينقله إلينا ويقدمه من خلال تلك الأوراق التي راح يزعم أنها سيرة ذاتية؟ ولو أنني أعرت شيئا من تلك التحديات أدنى اهتمام أو استمعت لصوت من تلك الأصوات لما مضيت في كتابة تلك الأوراق خطوة واحدة ولا طالعت قارئي بحلقة منها، ولظللت قابعا مرتهنا بمخاوفي وتحدياتي، ولكني لم أُولِ شيئا من ذلك كله أدنى اهتمام، فجعلته وراء ظهري ودبر أذني، والحمد لله الذي ثبتني، ومنحني ثقة في نفسي، مضيت معها في ثبات جنان واستقرار وجدان، حتى خرجت الأوراق على صورتها التي هي الآن بين يدي قارئي العزيز.
فهأنذا يا قارئي العزيز قد أوقفتك فيما مضى من أوراق على مجمل حياتي وبعض تفاصيلها، فإن رأيت فيها ما يفيد فذا هدفي وتلك غايتي، وإن عدمت الفائدة فتقبل أسفي على ما كلفتك من عناء قراءتها، وما أهدرت من وقتك حتى تحكم لها أو عليها، وكلي أمل أن تقبل عذري واللهَ أسأل أن يجعل ما سطرت في هذه الأوراق خالصا لوجهه، بعيدا عن أي مجاملة أو تزييف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى