رئيسيمقالات صحفية

حفلات تنكرية

بقلم ا.د إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية ،ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب، جامعة دمنهور

الحفلة التنكرية هي نوع من الحفلات التي يرتدي فيها الحاضرين أزياء تنكرية لإخفاء حقيقتهم والتخفي وراء أقنعة وتكون مصحوبة بالمرح والسرور ولكن

يقول المفكر والمبدع الكاتب جبران خليل جبران عن الوجوه «رأيت وجها يظهر بألف مظهر.. ووجها مظهره واحد أبدا كأنما قد سبك في قالب».
القناع هو ما يوضع على الوجه ليخفى معالم وتفاصيل الوجه الحقيقى يلبسه الناس فى الحفلات التنكرية أو فى الكرنفالات، يُلبس لبعض الوقت ثم يعود كلٌ إلى حقيقته فلا يستطيع أحد أن يستمر بالقناع، ولكننا نجد مَن هم لديهم القدرة على الحياة وراء الأقنعة، نحن فى زمن الزيف والوجوه الملونة والمتلونة، لم نعد نميز بين ماهو صادق وما هو كاذب، لم نعد نعرف نثق بمن؟؟ ولا نرتاب فى من؟ لم نعد على يقين بإخلاص أحد أو وفائه فقد نضع ثقتنا فى أشخاص وتأتى طعنتهم من الخلف معلنه صداها الذى يهزنا، ويهز كل ما آمنا به معلنه سقوط الثقة وسقوط القناع الذى وثقت به ولم تدرك حقيقته وما يخفى وراءه، فتعلو الدهشة الوجوه، ويرتسم الذهول فى العيون، ويعتصر الألم القلوب ونتساءل عن ملايين الأسئلة التى لاتجد مجرد إجابة واحدة، ماذا تصدّق.

وماذا تكذّب !!هاهى الأقنعة تسقط وتتساقط وتكشف ما يختبئ وراءها من زيف ووجوه ملوّنة كالحرباء، وجوه كانت جميلة ظاهرة للعيان ولكنها للأسف خادعة ماكرة تختفى وراء أقنعة رائعة، هى بلا شك تخفى عقول وقلوب مشوّهة تدعى الطهر والفضيلة، وتلبس لباس الورع والتقوى، وتمنح الرضا وصك الغفران للمقربين منها، هى أقنعة لوجوه سافرة، تتعرى وتظهر على حقيقتها ويظهر قبح منظرها بمجرد أن يتساقط عليها قليلًا من قطرات المطر.

عندما تسقط الأقنعة كسقوط أوراق الأشجار فى الخريف، وتتعرى الأجساد وتتكشف العورات، تظهر الحقيقة التى توارت خلف الأقنعة تلك التى أصبغت على صاحبها صورة لا تمّت إلى حقيقته بأى صلة وهو إلى الثعالب أقرب مايكون.
فعلا هنالك وجوه حقيقية تعكس ما بداخل الشخص تماما، كأنها صورة طبق الأصل، لا تغيرها المواقف ولا الأيام، وللأسف هنالك أيضا أقنعة على شكل وجوه، يستخدمها بعض البشر لإخفاء حقيقة طبائعهم.

من الواجب أن نتنبه إلى ما خلف الكواليس عندما تَظهَرُ لنا بأي طريقةٍ كانت. في الحقيقة كثير من اللحظات توضّح لنا حقيقة من حولنا لكننا نتغاضى أحيانا لبقاء الود، وأنا مع التغاضي جدا والمسامحة ولكن بحرص، فالذي يتغاضى عمن يصاحبه مدركا حقيقته فطن، لكن من يتغاضى عمن يصاحبه متوقعا منه غير الذي أظهره أبله لا يتعلم، من أراكم حقيقته وجب عليكم (على الأقل) تصديقها.

لنكن واعين للحظات سقوط الأقنعة، لندرك طباع من حولنا ليس لنعاقبهم، بل لنضع كل شخص في مكانه الصحيح، فصديق عن صديق يفرق، ولا وقت لدينا للندم.

في الأخير، أنا مع العفو الشامل عمن آذانا وتوقع الأفضل من الجميع دائما، وتقديم الحب لهم، ولكني أيضا مع فهم حقيقة من ندخل في إطار حياتنا والتعايش مع الصورة الكاملة

فقد يأتى يوم يكون فيه الناس على حقيقتهم بلا أقنعة وبلا زيف أو خداع، ويعلموا أننا جميعا راحلون ولن يبقى مِنّا إلا الذكرى.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى