رئيسيمقالات صحفية

جنون زوربا

بقلم  الدكتور إبراهيم محمد مرجونة..  استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية-رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

رواية  زوربا لليوناني:  نيكوس كازانتزاكيس نقلها المخرج اليوناني مايكل كاكويانيس  في ستينيات القرن الماضي إلى فيلم هوليودي، وقام ببطولته انطوني كوين، وايرين   پاپاس. فيما أعد له الموسيقى الموسيقار اليوناني ميكيس ثيودوراكيس، الذي ألّف – عام 1988- “باليه” بعنوان “إلكسيس زوربا”، تم تقديمه في المرة الأولى بفيرونا الإيطالية.

زوربا، شخصية مجنونة بحق! يبتسم بسخرية حين يريد أن يخفي انفعاله ! ويسخرُ باسماً من صديقه المثقف ويصفهُ بـ ( قارض الكتب ) وينتظرُ دون أمل أن يترك عادة مضغ الورق والتلوث بالحبر !! شجاع لايخيفيه شيء سوى الشيخوخة ! لايهمه الفرح ولا الحزن، كل مايهمه هل هو حيٌ أم ميت ؟

المقدوني الكسي زوربا هو إنسان مدهش، مغامر، سندباد  بري، لم يكن  متعلماً، إنما كان حكيماً، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق في ليلة قمرية دافئة، وكان شخصاً مفعماً بحيوية وقوة وحس متدفق.

زوربا هي شخصية حقيقية قابلها نيكوس (الكاتب) في إحدى اسفاره، وقد اعجب به اعجاباً شديداً، فكتب رواية باسمه. الملفت في رواية زوربا، هو قدرة نيكوس على وصف شخصية زوربا بشكل مطوّل ومفصّل وعميق، حتى انك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا الكون. المميز في زوربا هو انه يحب الحياة بكل أشكالها، لا يذكر الحزن، بل يذكر الفرح دائماً في لحظات حزنه الشديد، أو سعادته الشديدة، يرقص رقصته المشهورة، (رقصة زوربا). في تلك الرقصة، يقفز إلى الأعلى لأمتار ويستغل كل ما هو حوله من بشر أو من أدوات.

 تحدثنا رواية زوربا عن صديقين التقيا بطريق المصادفة، أحدهما  لقبه  الرئيس يمثل نموذج المثل والقيم المعنوية، والآخر يعكس نموذج الإنسان المتحرر من كل القيود. زوربا شخص أمّي لا يعترف بالكتب، وبالمقابل “الرئيس” صديقه شخص مليء بالكتب، ولطالما سخر زوربا من تلك الكتب، يقول: (كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك).

ويتضح من الرواية، أن كليهما يمثلان قطبان للتناقض، ورغم ذلك التناقض فقد كان يجمعهما حب عميق وصداقة شفافة وصادقة.

وهذا يدعونا بعد النظرة التأملية  في الرواية : إلى قبول الآخر وهي إجراءات تنطوي على الاعتراف بحقه في المعارضة والتعبير عن رأيه ، وهذا ما تتيحه نظم الاعتراف ببعضنا البعض رغم الاختلاف لأن التنوع سنه كونية  فلعلينا أن نبحث عن كل المعاني  الجديدة لإنشاء روافد قبول الآخر والاعتراف بتعبيرات مثل “الرأي الآخر” و”عدم إقصاء الآخر” و”عدم إلغاء الآخر” و”التعايش” مع الآخر .. الخ.  فالآخر  “هو غيرك بعد عنك أم قرب”

لقد جمعت بين هذين الشخصين المتناقضين فكرياً وعقائدياً وسلوكياً علاقة وشيجة قوامها لا المصلحة أو تبادل المنفعة بقدر ما هي علاقة تحكمها التكاملية فكل منهما رأى في الآخر مكملاً لنفسه، وكأن كلا منهما وجد في الآخر نصفه المفقود أو نصفه الذي يبحث عنه، وإن كان من الواضح أن قوة تأثر الراوي المتمثل بشخص الإنسان المثالي، كانت أكبر من قوة تأثر زوربا به.

يروي قصة زوربا، الرئيس وهو شخص يوناني يرغب في استثمار أمواله في مشروع ما، فيقنعه زوربا بأنه يستطيع استثمار أمواله في منجم للفحم، ولكن محاولات زوربا لصناعة مصعد ينقل الفحم من مكان لمكان، تبوء بالفشل، ولكن زوربا المفعم بالحياة لا ييأس، يحتاج زوربا لأدوات من المدينة، فيأخذ كل أموال “الرئيس” ويذهب إلى المدينة، فيشعر بالتعب، يدخل إحدى الحانات، فتقترب منه “غانية” فيرفضها، فتُشعِره بانتقاص الرجولة، ولكن زوربا المفعم بالرجولة لا يقبل هذا التصرف، ويصرف كل امواله عليها، ويكتب رسالة إلى “الرئيس” أنه “دافع عن كل الرجولة في العالم”.

وقد انتهى استثمار المنجم بإخفاق كبير، ولكن القصة التي يعيشها القارئ مع هذين البطلين والأبطال الآخرين، ولا سيما تلك المرأة المغامرة التي وقعت في غرام زوربا ، تظلُّ إحدى الروائع الكبرى في الأدب الحديث.

والمتأمل في  رواية زوربا يتسأل  لا أعلم من أكون ولا أعرف من أنا، أجهل أشياء كثيرة عن العالم ليس فقط العالم الخارجى المحيط بى؛ و إنما العالم الساكن بداخلى أيضاً ! وانا اجسد شخصية الرئيس اشتاق لأن اكون زوربا ولماذا العكس غير صحيح لماذا لم يتمنى زوربا أن يكون الرئيس.

لعل الدافع وراء ذلك لكون زوربا تميز بالتّصالح مع الذّات وتقبّلها والثّقة بها، واعتبار أنّ الحياة عبارة عن تجربة ممتعة للعيش، وأنّنا ولدنا لنعيش مرّة واحدة في هذه الحياة، فيجب أن نستغلّ هذه الفرصة لنعيش حياة كريمة تريحنا.

فالمعرفة والانغماس في الكتب وعصيرها وحدها لا تكفى لكي تعطيك الحياة الهادئة فعليك أن تبحث على ما يكمل نواقصك ، لا تستهين ببساطة الاشياء فلعل الجزء الصغير المختفي من الباذل هو ما يكمل الصورة ويجعلها لوحة فنية متكاملة غير منقوصة.

ولا تكن  كالواقف أمام ضفة نهر يشاهد الأنوار المتلألئة لمدينة على الجانب الآخر، خائفا من الانتقال هناك، لذلك يطالع ويقول “ماذا لو؟” لكنه لا يلتفت يمينا ليشاهد الجسر الذي يعبر به إلى حيث يحلم، بل يبقى مكانه متابعا النهر بمياهه الرمادية وبرودة مائه!

مشكلتنا احيانا في كثير من أمورنا الحياتية الشخصية والعملية أننا لا نعرف قيمة أنفسنا ولا نعترف بقدراتنا لذلك نظل أسرى الروتين الذي يمنعنا من اغتنام  الفرص. كن جريئا ولا تبقى مكانك سر ابحث عن الفرص لترتقي واستغلها، فأنت لا ينقصك شيء، ابحث عن السعادة وراحة البال في مكان آخر

اعطي لزوربا نصيب من حياتك مثلما اعطيت الرئيس ولا تجعل شخصية منهم تنصر على الأخرى احرص على التوازن بينهم ليس السؤال كيف يراك الناس، ولكن السؤال كيف ترى نفسك؟
فليكن شعارك دائمًا سأظل أتعلّم من الحياة حتى أصل إلى مستوى يليق بي وسأظل أخطئ حتى أتقن ما أريد أن أتعلمه.

 
 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى