رئيسيمقالات صحفية

سدهارتا

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

“الباحث عن الحقيقة”، هذا ما يجب أن يكون عنوان هذا العمل الرائع الذي كتبه الكاتب الألماني هيرمان هسه والمعروف بأعماله التي تكشف الذات البشرية. ولد هرمان هسه في 2 يوليو عام 1877، من أشهر أعماله ستيفين وولف ولعبة الكريات الزجاجية، حصل في عام 1946 على جائزة نوبل في الأدب، وبالإضافة إلى كونه كاتب فهو رسام أيضاً.

تتحدث رواية سدهارتا عن شاب يترك عائلته ليعيش حياة تأملية، وبسبب استيائه من الشهرة والطمع يشعر باليأس ويذهب إلى النهر حيث يسمع صوتاً فريداً من نوعه، هذا الصوت يكون إشارةً لبداية رحلته والبحث عن حقيقة حياته التي تبدأ بالمعاناة من ثم الرفض والتناغم الداخلي وأخيراً الوصول إلى الحكمة، فينبذ كل الملذات الحسية والمادية ليكتشف الحقائق الروحية في نهاية الأمر.
“معظم الناس يا كمالا يشبهون أوراقاً متساقطة، أوراقاً ترف وتلف في مهب الريح، فتهوي مترنحة إلى الأرض، لكن آخرين قليلين، يشبهون النجوم، يسيرون في مسار ثابت، لا تسمهم الرياح، وفي ذواتهم لهم ناموسهم ومسارهم”

فاتبع النجوم وتغير مسارك واصدقائك ولا تجعل من اوارق الشجر اصدقاء مهم متحركين وفقا للطقس وعوامل المناخ وان حل الخريف تساقطوا وذهبوا في مهب الريح ، تخير الصديق في رحلة البحث عن الحقيقة ولا تتعجل في إصدار الاحكام وتأكد أنك اخترت النجوم.

ابتعد عن الملذات وشهوات النفس والمتع الزائلة فقطار الحياة محطاته قليلة فكن انت نفسك ولا تكن مسخاً ولا يكون كل همك ارضاء الآخرين وفقدان ذاتك وهويتك في سبيل نيل الرضا الذي يحقق المكاسب الوهمية.

ان البحث عن الحقيقة أمر صاحب الإنسان منذ أن خلقه الله تعالى، ويذكر عند الحديث عن الحقيقة أن أحد فلاسفة اليونان كان يحمل في النهار مصباحًا مضاءً، فلما سئِل عن سر هذا التصرف غير المعتاد من العاقلين أجاب بأنه كان يبحث عن الحقيقة! ولكن ما تلك الحقيقة التي كان يبحث عنها ذلك الرجل؟ هل كانت حقيقة الوجود؟ أم كانت حقيقة نهاية هذا الوجود؟ أم هي حقيقة هذا الكون وما فيه من مجموعة من الخلائق التي تسير بأسلوب بديع حكيم؟

و يبدو أن الإنسان قد طبع على البحث عن الحقيقة،وقد بحث إبراهيم عليه السلام عن حقيقة إحياء الموتى، فسأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى؛ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260]، وقد تطلع موسى عليه السلام إلى أن يرى الله حقيقةً – أي يرى ذاته – وذلك بعد أن آمن بحقيقته وذاته: ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ [الأعراف: 143]،وذات الله حقيقة، ولكنها لا تدرك مباشرة: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103]، وعدم إدراك ذات الله – سبحانه وتعالى – مباشرة لا يعني عدم إدراكه – تعالى – من حيث وجوده من خلال مجموعة كثيرة من الآيات التي تدل على وجوده – تعالى – ولكن بعض العقول قد ترفض هذا الإدراك غير المباشر؛ لأنها لم تكلف نفسها التفكير بهذا الاتجاه، فتطلعت إلى أكثر من ذلك.
الله أكمل صنعنا من الداخل ومن الخارج، بأحسن تقويم، وجعل كل إنسان منا عبارةً عن عملٍ متواصل، يتحرك نحو الكمال، فهو يتعامل مع كل واحد منا على حدة، لأن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.

حيث لا يوجد إنسان أهم أو أفضل أو أجمل من إنسان، كل إنسان هو لوحة فنية فريدة وجزء من لوحة فنية بكل فضائله ونقائصه، وعيوبه وميزاته، وفي المكان الذي ولد فيه وبالمؤهلات التي يتمتع بها.
لكي تحيا بسعادة مع النفس التي وهبك الله إياها لا بد لك أن تكتشفها، ولكي تنجح في الحياة لابد أن تعرف مواطن ضعفها ومكامن قوتها. وبهذا بدأ سقراط فلسفته في أثينا “أيها الإنسان اعرف نفسك”.
الكثيرون يودّون لو يكونون أشخاصًا آخرين في زمن آخر أو مكان آخر وقلما تجد أشخاصًا راضين عن أنفسهم أو عن زمانهم، ولو تسنّى للإنسان أن يتجول في عقول الناس وأفكارهم لوجدها لا تخلو من أسئلة مثل: لماذا ليس لدي هذا الأمر مثل فلان، أو ليتني ولدت في مكان آخر، أو لماذا أبدو قبيحًا وأفتقر لوسامةٍ كالتي يتمتع بها صديقي، أو أنا فاشل في العلاقات الاجتماعية أو في الدراسة، لماذا لا أستطيع إدارة الأمور مثل فلان؟

إذا فقد الإنسان اتصاله مع ذاته الداخلية، ولم ينصت لحكمتها، سيظل أسيرًا لدوائر المقارنة بالآخرين، والألم بسبب نقصٍ يشعر به، أو البؤس بسبب تمنّيه مالا يسعه الحصول عليه

غير أن المقارنة هي كفر بالذات وتفردها، فهي سبب للشقاء، يقول وليم جيمس في هذا: “أكثر الناس شقاء على الإطلاق هو من يريد أن يكون شخصًا آخر غير ما تؤهله له قدراته وملكاته الطبيعية أن يكونه”. فالحكيم هو من يتقبل نفسه بعد أن يعرفها، ويصبر على ما لا يمكن تغييره فيها ويمتلك الشجاعة لتغيير ما بوسعه تغييره ويمتلك البصيرة للتفريق بين

خلقنا الله كمنحوتة بأروع ما تكون، وأوكل إلينا مهمة أن نكتشفها ونزيل عنها الزوائد والأحجار والأتربة، ولكي تعرف ذاتك اتصل مع ذاتك الداخلية بصفاء وصدق، بعيدًا عن الإيديولوجيا والتصنيفات وأحكام المجتمع، وأنصت إلى مصدر الحكمة فيها، وثق به.

كن أنت… اعمل ما تحبّ وتعلم ما تعشق ومارس شغفك وتصرف كما أنت على سجيتك لا كما يملي عليك الآخرون فالعالم يتوق لفرادتك بعدما سئم من الأشخاص المتشابهين والقوالب المكررة. فكن مثل سدهارتا الشاب الذي ترك عائلته ليعيش حياة تأملية، وتبدأ رحلة انطلاقه لاكتشاف ذاته مع ذهابه إلى النهر حيث يسمع صوتاً فريداً من نوعه، هذا الصوت يكون إشارةً لبداية رحلته والبحث عن حقيقة حياته التي تبدأ بالمعاناة من ثم الرفض والتناغم الداخلي وأخيراً الوصول إلى الحكمة.

أخيرًا: الحياة تحتاج عبيرك ولونك ولحنك أكثر مما تحتاج نسخًا متشابهة عن أشخاص آخرين، ابحث عن ذاتك الداخلية ومصادرك الغنية في أعماقك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى