رئيسيمقالات صحفيةملفات خاصة

أستاذ في صورة ملاك

كتب: الأستاذ الدكتور /إبراهيم محمد على مرجونة
أستاذ التاريخ الإسلامي وحضارته – ورئيس قسم التاريخ
كلية الآداب – جامعة دمنهور-مصر

الأستاذ الدكتور أحمد مختار العبادي أستاذ تاريخ المغرب والأندلس في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، رحل في صمت وهو من هو.. لقد ملأ الأرض علما وبلغت شهرته الآفاق، وقد تنوعت جهوده العلمية بين التأليف في التاريخ الأندلسي وتاريخ الشرق العربي في مصر والشام في العصور الوسطى، وهي سمة غلبت على مدرسة التاريخ الإسلامي في جامعة الإسكندرية التي اشتهرت بمجال التاريخ الأندلسي وفاقت أقرانها في كل الجامعات العربية منذ أن أسسها الأستاذ عبدالحميد بك العبادي في بداية الأربعينيات من القرن الماضي فنرى أعلامها قد كتبوا في التاريخ الأندلسي إضافة إلى المشاركة في كتابة تاريخ الشرق الإسلامي في مصر والشام.. رأينا هذا مع الدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور السيد عبدالعزيز سالم، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد، ، وغيرهم (1)
. كما كتب الدكتور العبادي الأبحاث المتخصصة في كبرى المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، ونشر كنوز كتب التراث وخصوصا في التاريخ الأندلسي ومنها تراث صاحب الوزارتين الأديب الكبير لسان الدين بن الخطيب (776هـ)، فحقق له رحلاته وبعض كتبه، وأنار الطريق أمام الباحثين بهذه الجهود الكثيفة.

ولد الدكتور أحمد مختار عبدالفتاح العبادي في العشرين من أبريل 1922م بمدينة بورسعيد بمصر، وهو في الأصل ينتمي لأسرة أندلسية مغربية من سلالة «بني عباد» الذين حكموا قرطبة وإشبيلية في القرن الخامس الهجري زمن ملوك الطوائف، وقد قضى على دولتهم ودول الطوائف الأخرى يوسف بن تاشفين، ونفى آخر ملوكهم المعتمد بن عباد إلى أغمات بالمغرب، وقد كان الدكتور العبادي يفتخر بنسبه المغربي هذا، وفي هذا يتشابه مع المؤرخ القاسم البرزالي الإشبيلي (ت 738هـ) الذي نزح أجداده إلى دمشق وقد كانوا حكاما لإقليم قرمونة القريب من إشبيلية..

كان عمه المؤرخ الكبير عبدالحميد بك العبادي (ت 1958م) وهو مؤسس قسم التاريخ في آداب الإسكندرية وكان من الأوائل الذين تخصصوا في التاريخ الأندلسي، وابن عمه الأستاذ الدكتور مصطفى عبدالحميد العبادي.

التحق العبادي بكلية الآداب جامعة فاروق الأول (الإسكندرية الآن) قسم التاريخ، ودرس على كوكبة من الأعلام على رأسهم عمه الأستاذ عبدالحميد بك العبادي، والدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور عزيز عطية سوريال، وغيرهم… إلى أن تخرج عام 1944م. وواصل دراساته العليا وحصل على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1949م في رسالة بعنوان «قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام» بإشراف الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة.

كان الدكتور العبادي من الرعيل الأول الذين أوفدتهم الجامعة المصرية إلى الأندلس لدراسة التاريخ والأدب الأندلسي والاحتكاك عن قرب بمواقع الأحداث التي دارت رحاها في هذا الفردوس المفقود، والاطلاع على كنوز الفكر الذي أنتجه أسلافنا والموجود في دور الكتب هناك، والتعرف أيضا إلى مناهج المستشرقين الإسبان، ومن الذين أوفدوا: الدكتور أحمد هيكل وزير الثقافة المصري الأسبق، والدكتورة علية إبراهيم العناني، والدكتور محمود علي مكي ثم لحق بهم بعد ذلك الدكتور الطاهر أحمد مكي، وكانوا عونا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد الذي أنشأه طه حسين عام 1950م، وحرروا مواد مجلة المعهد، وقد ترجم العبادي العديد من الأبحاث عن الإسبانية، ونشرها في مجلة المعهد منها: «هل هناك فن عربي إسباني لفن الخرائط البحرية» للأستاذ «خوان بيرنيط»، العدد الأول، وحصل في النهاية على دكتوراه الدولة من جامعة مدريد سنة 1954م في رسالة بعنوان «مملكة غرناطة في عهد السلطان محمد الخامس الغني بالله في القرن الثامن الهجري (14م) بإشراف المستشرق الكبير «غرسية غارسيا غومث».

عمل الدكتور أحمد مختار العبادي عقب تخرجه في وظيفة أمين مكتبة بجامعة الإسكندرية في الفترة من (1944-1949م) ثم ذهب في بعثة لإسبانيا وبعد عودته إلى مصر عين مدرسا للتاريخ والحضارة الإسلامية في كلية الآداب بالإسكندرية (1955-1962م) ثم أستاذا مساعدا للتاريخ والحضارة الإسلامية في نفس الكلية (1962-1968م)، ثم أستاذا منذ 1968م، ثم عين رئيسا لقسم التاريخ والآثار بذات الكلية من 1975- 1978م، وأستاذا متعاقدا بجامعة الكويت لتدريس التاريخ والحضارة الإسلامية من سنة 1978- 1990م، وقام خلال هذه الفترة بالإشراف على فهرست الوثائق والمخطوطات بمركز الوثائق والتراث بدولة الكويت، وعندما عاد لمصر في مطلع التسعينيات من القرن الماضي عين أستاذا متفرغا بقسم التاريخ والآثار في كلية الآداب بالإسكندرية منذ 2/6/1991م، وحتى رحيله.. وخلال رحلته الطويلة انتدب للتدريس بجامعتي عين شمس والقاهرة في فترات متعددة ثم أعير للتدريس بجامعة محمد الخامس بالرباط من سنة 1958م إلى 1962م، وانتدب ملحقا ثقافيا بسفارة مصر بإسبانيا ووكيلا لمعهد الدراسات الإسلامية بمدريد من سنة 1963-1965م، وتطوع خلالها للتدريس بجامعة مدريد،
كما أعير للتدريس بجامعة بيروت العربية من سنة 1968-1972م، وانتدب أستاذا زائرا لمدة شهر بجامعة الإمام محمد ابن سعود سنة 1976م.
أنشطة أخرى

كما أسهم الدكتور العبادي بجهد وافر في مجال تطوير التعليم وفي النشاط الثقافي.. ففي مجال تدريس المواد التأسيسية بمرحلة الليسانس أسهم الدكتور مختار العبادي في تطوير الخطة التدريسية بتعديل وإضافة المواد التعليمية طوال فترات عمله بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، بحيث تتناسب مع ما تم التوصل إليه في مجال تخصص التاريخ بشكل عام وتخصص تاريخ وحضارة الأندلس بشكل خاص، كما أدخل اللغة الإسبانية كلغة ثانية اختيارية للدراسة ضمن برنامج المواد المقررة لقسم التاريخ، كما عمل على إرسال طلاب الدراسات العليا بتخصص التاريخ والحضارة الأندلسية (الماجستير- الدكتوراه) في منح لإسبانيا متخصصة ولفترات زمنية محددة يتكفل بها الجانب الإسباني وتدعمها جامعة الإسكندرية في الفترة من 1974-1979م، وفي عام 1958م أرسل الدكتور أحمد مختار العبادي معارا من مصر للمساهمة في تأسيس القسم العربي بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط ووضع البرامج التعليمية باللغة العربية بالكلية كأول أستاذ عربي معار لمملكة المغرب. وقام بتجديد الاتفاقيات الثقافية المبرمة ما بين إسبانيا وجمهورية مصر العربية بحكم منصبه كملحق ثقافي ووكيل للمعهد المصري بمدريد عام 1963م ومستشارا ثقافيا ومديرا للدراسات الاسلامية 1972-1974م. وقام بمراجعة مناهج كتب التاريخ للتعليم الأساسي في مصر في السبعينيات من القرن الماضي و«المرحلة الثانوية» لدولة الكويت في عام 1989م. كما قام بالإشراف على فهرست الوثائق والمخطوطات بمركز الوثائق والتراث بدولة الكويت.
العالم الإنسان :-

شخصية في التعامل مع طلابه: كان لين هين وفي الوقت ذاته حازم صارم كنت أنعته في نفسي مع بعض الأصدقاء بشبيه أبو بكر الصديق رضوان الله عنه ، كان حرِيصْ في تعاملاتِه مع الآخرين على أن يكون مؤثرًا فيهم،يرتقي بهم من خلال حسن تعامله معهم، وذلك بالدعم والتشجيع أحيانًا، وبالصبر والتغاضي أحيانًا أخرى، دون أن تضطرب صورتُه في الذهن، كان تقرُّبَه إلي طلابه ما هو إلا تصحيح مسار وخطط تحسين للأداء، وكان صبره على زملاءه وقيادته الادارية ما هو خوف منهم ورهبة ولكن إجبار للأخر على الالتزام بحدوده واتباع التقاليد والأعراف والقوانيين، دائما كان يقول : دَعْ عنك كلَّ يعيق مسيرتك، وامضِ في طريقك ما دمتَ لا تحمل في نفسك هدفًا قبيحًا، واحذر الإنصات لمُخاتِل، أو إضاعة الوقت مع مجادل، واجعل هدفك دائمًا أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

كنا نحن طلابه نحبه ونجله ونهابه ملاحظاته قليلة ولكن عميقة تحتاج أشهر للتصويب لايستخدم القلم الأحمر في التصويب والملاحظات بجانب الصفحة وأتذكر قولتة :”يا بني يصح ومن الأفضل أنك تعدل دا” كان يقرأ كثيرا محب للشعر والأدب والفنون ويكتب بلا استطراد ومن يقرأ له يعلم أنه بحر من العلم فهو بحق معشوق الطلاب والتلاميذ الذين صاروا رموز ادارية وعلمية واكاديمية في كل الجامعات على مستوى العالم ومع ذلك يعشقونه علماً وخلقاً وشياكة وأناقة فهل يجود الزمان بمثله؟.

التعامل مع الاصدقاء والزملاء:
ما لا يمكن الرضا به للنفس لا يُرضى به للصديق: يُعامِل الشخص صديقه مثلما يُحب أن يُعامَل، بحيث يجعل الشخص نفسه ميزاناً بينه وبين غيره، ويُحسن لأصدقائه كما يحب أن يُحسنوا إليه، إذ لا يمكن للصديق أن يكون ملاكاً يمشي على الأرض، فقد يُخطئ أحياناً، أو قد يفعل شيئاً مُحرجاً، لذلك من المهم التّوقف والتّفكير بالكيفية التي يرغب الشّخص أن يُعامَل بها، عندما يُخطئ في حق أحدهم، أو بما سيشعر إذا سخر منه أحدهم عند تعرضه للإحراج.

التعامل بلطف: يعرف بعض الأصدقاء مدى أهميّتهم لدى بعضهم البعض، ومع ذلك من الأفضل إخبارهم بصريح العبارة، بحيث يخبر الشخص صديقه بمقدار محبته، وتقديره له، بالإضافة إلى الإطراء عليه، فلا بأس من مدح الصديق ومجاملته وشكره باستمرار، حيث إنّ ذلك سيجعله سعيداً، والأخذ بعين الاعتبار الاطمئنان دائماً عليه، فقد يمر ذلك الصّديق بأوقات سيئة، ممّا يستدعي السّؤال عنه وعن أحواله، والوقوف إلى جانبه، ومحاولة مساندته قدر الإمكان، ورفع معنوياته، وتفهّم الظّروف التي يمر بها، ومقدار معاناته، والاهتمام بمشكلته، ويمكن سؤال الصديق عن حاجته إلى المساعدة في وقت الضيق، دون انتظار أن يطلبها بنفسه. الإخلاص للصديق: يصدق الصديق المخلص صديقه القول، ويوجهه إلى الصّواب، بحيث يسانده في الأوقات الحسنة والسيئة، ويستمع إليه عندما يحتاج للتكلّم، كما لا يستغيبه، حتّى وإن كان مُنزعجاً منه، فإنّ الثرثرة عليه
من وراء ظهره لن تؤدي إلّا إلى جرح مشاعره، وإفساد علاقة الصداقة معه.
منهجه في التاريخ:

كان معني بإﺳﱰداد اﳊدث اﻟﺘﺎرﳜﻲ ﻣﻦ اﳌﺎﺿﻲ وﺑﻌﺜﻪ ﺣﻴﺎً ﻣﻦ ﺟديد … وعرضه متسق مجرد من الهوى ﰲ اﻹﻃﺎر اﻟﺼﺤﻴﺢ ﻟﻠﺴﻴﺎق اﻟﺘﺎرﳜﻲ.يهدف الى تقديم العظة والاعتبار والدرورس المستفادة من علم التاريخ ، كيفية اعداد الخطط المستقبلية متفادياً تكرار الوقوع في نفس الأخطاء التاريخية ، يهتم بضرورة وأهمية الفنون والآداب كعلوم مساعدة لعلم التاريخ يؤمن أن كل العلوم تعد علوم مساعدة لعلم التاريخ وعلينا التوظيف الصحيح لتحقيق الاستفادة الحقيقة.
أبرز الجوائز والأوسمة:

• خلال رحلته العلمية الطويلة حصل الدكتور العبادي على بعض مظاهر التكريم في مصر وخارجها، منها: جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية من الحكومة المصرية (1968م).
• وسام العلوم والفنون من الحكومة المصرية (1971م).
• جائزة الجامعة التقديرية بجامعة الإسكندرية في 27/7/2010م.
• عضو بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة منذ سنة 1955م.
• عضو باتحاد المؤرخين العرب ببغداد سنة 1975م، ثم القاهرة سنة 1991م.
• عضو مراسل بالمعهد الإسباني العربي للثقافة بمدريد التابع لوزارة الخارجية الإسبانية منذ سنة 1981م.
• عضو مراسل بالأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد منذ سنة 1982م.
• عضوية الأكاديمية العربية الإيبيرية بالبرتغال سنة 1997م.
من مؤلفاته:
أثرى الدكتور أحمد مختار العبادي المكتبة العربية بالعديد من الأبحاث والمقالات المنشورة في المجلات العلمية العربية والإسبانية ونشر عدة مخطوطات عربية من التراث المغربي والأندلسي، كما كتب عدة مؤلفات منها: «قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام» بيروت 1969م، و«الصقالبة في إسبانيا وعلاقتهم بالحركة الشعوبية» مدريد 1953م، و«دراسة حول كتاب البارود والأسلحة النارية» لدافيد أيالون (هسبريس 1959م)، و«تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام» بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور السيد عبدالعزيز سالم، و«تاريخ البحرية الإسلامية في الأندلس» بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور السيد عبدالعزيز سالم. و«في التاريخ العباسي والفاطمي» (دار النهضة العربية – بيروت 1972م)، و«في تاريخ المغرب والأندلس» (مؤسسة الثقافة الجامعية – الإسكندرية 1975م)، و«مملكة غرناطة في عهد السلطان محمد الخامس الغني بالله في القرن الثامن الهجري (14م)» باللغة الإسبانية (مدريد 1973م)، و«أزمنة التاريخ الإسلامي» (بالاشتراك) أصدره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في مجلدين (الكويت سنة 1982م)، و«دراسات في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية» (بالاشتراك) أصدرته ذات السلاسل للطباعة والنشر بالكويت سنة 1985م، و«صور من حياة الحرب والجهاد في الأندلس» (منشأة المعارف – الإسكندرية سنة 2000م)… إضافة إلى عشرات الأبحاث المتخصصة، منها: «بعض مظاهر العلاقات التاريخية بين مصر والأندلس» – مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد – المجلد 27 لسنة 1986م، و«لسان الدين بن الخطيب من خلال كتاباته التاريخية» – مجلة عالم الفكر – الكويت – المجلد 16 العدد 2 لسنة 1985م، و«غارة الترك على الأندلس – نص جديد لابن حيان القرطبي» – مجلة المناهل – العدد 29 – الرباط سنة 1984م – المملكة المغربية، و«دور المغاربة في الحروب الصليبية في المشرق العربي» – ضمن مجموعة بحوث ألقيت في ذكرى المرحوم الدكتور/ أحمد فكري (مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية سنة 1983م)، وغيرها… وأخبرني نجله الدكتور حسام بأنه جمعها في كتاب وراجع بروفة هذا الكتاب قبل الرحيل ولكن القدر لم يمهله ليرى الكتاب مطبوعا.

محقق التراث
وقد حقق الدكتور مختار العبادي بعض كنوز التراث العربي التي تتناول تاريخ المغرب والأندلس منها نشره لقطعة من كتاب «الاكتفاء في أخبار الخلفاء» لابن الكردبوس، مع نص لابن الشباط بعنوان: «تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ووصفه لابن الشباط – نصان جديدان»، المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، 1971م، ص 103.

وحقق «مقامة العيد» لأبي محمد عبدالله الأزدي (ت 750هـ)، مجلة المعهد المصري العدد 1و2 سنة 1954م وعدد الصفحات 17، وهي صورة من صور الحياة الشعبية في مدينة غرناطة، وقدم لهذه الرسالة بمقدمة ضافية تتبع نشأة فن المقامة في المشرق الإسلامي ثم انتقاله إلى الأندلس عن طريق الأندلسيين الذين رحلوا إلى المشرق طلبا للعلم حيث درسوا هذا اللون من الأدب ثم عادوا إلى بلادهم محدثين به ناشرين إياه بين مواطنيهم، فمقامات البديع الهمذاني ورسائله انتشرت بوجه خاص أيام ملوك الطوائف بالأندلس حيث قام بعض أدباء ذلك العصر بمعارضتها وتقليدها واستمر هذا اللون من الأدب مع الأندلسيين حتى نهاية الأندلس ولم يكتف بهذا القدر بل تحدث في هذه الرسالة أيضا عن انتقال تأثير فن المقامة في الآداب الأوروبية ودلل على هذا بشواهد وأدلة.. ثم تحدث عن الأزدي (أبومحمد عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله الأزدي) الأديب الغرناطي الذي كان صديقا للوزير لسان الدين بن الخطيب، وأفرد له ترجمة طويلة في كتابه «الإحاطة» ذكر فيها الرسائل الأدبية والقصائد الشعرية التي تبودلت بينهما، و«مقامة العيد» ككثير من المقامات، قصة قصيرة بطلها رجل متسول من بني ساسان، احتكم التحيل وقصر همه على تحصيل كبش من الأمير، فهي بمجملها تفسر حياة متكد وما يقابله من مآزق ومصاعب، كل ذلك في أسلوب مسجع مليء بالنكات المستملحة، والمقامة فضلا عن طرافتها كقطعة أدبية، لها قيمتها التاريخية من حيث كونها صورة جزئية للمجتمع الغرناطي الذي كتبت فيه، والذي لا نعرف عنه الكثير لندرة المراجع التي تناولت الكلام عنه. ففي هذه المقامة نجد أشكالا من الناس بمميزاتهم وأشكالهم وأخلاقهم النفسية والاجتماعية: الزوجة وكثرة مطالبها، والعجوز وتطفلها، والبائع ووضاعته، والقصاب وزيه التقليدي والموثق الذي يسجل في دكانه عقود البيع والشراء بالتقسيط، والمحتسب الذي يشرف من قبل الحكومة على الأسواق، والأمين الذي هو أشبه بنقيب يمثل أصحاب المهن التجارية والصناعية في السوق ويسأل أمام المحتسب عن مشاكلهم، والشرطي الذي يحافظ على الأمن والنظام فيطرد ويجرد الباعة المذنبين، وذلك بأمر من المحتسب أو الأمين، هذا عدا عن الإشارة إلى صناعة الفخار، وهو الفخار المالقي الذي طبقت شهرته الآفاق.. فالمقامة -بعبارة أخرى- تعطينا صورة من صور الحياة الشعبية الغرناطية التي مازلنا نتلمس بعض مظاهرها في حياتنا العادية في الوقت الحاضر .
وقد رحل الدكتور أحمد مختار العبادي مساء يوم السبت 16 رجب 1437هـ الموافق 23 أبريل 2016م وتم تشييع الجنازة في اليوم التالي.. رحمه الله رحمة واسعة.

الهوامش

1- أبوالحسن الجمال، مقال «السيد عبدالعزيز سالم، عاشق التاريخ والآثار» جريدة المصريون 14 أغسطس 2015م.

2- هذه المعلومات مستقاة من سيرة ذاتية أرسلها لي أ.د حسام العبادي نجل الدكتور أحمد مختار العبادي.

3- أبومحمد عبدالله الأزدي (750هـ)، «مقامة العيد»، تحقيق أحمد مختار العبادي، صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد، المجلد الثاني، 1954م، ص 195- ص 173.
أحد تلاميذ الأستاذ الدكتور
أحمد مختار العبادي رحمه الله
الأستاذ الدكتور /إبراهيم محمد على مرجونة
أستاذ التاريخ الإسلامي وحضارته – ورئيس قسم التاريخ
كلية الآداب – جامعة دمنهور-مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى