رئيسيمقالات صحفية

بالونة منتفخة بالهواء

بقلم: ا.د/ إبراهيم محمد مرجونة
استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ورئيس قسم التاريخ كلية الآداب- جامعة دمنهور

إلى متى تلازمنا في رحلة الحياة هذه الشخصية صاحبة الإلمام بجميع المعارف والعلوم الكونية فهو حاضر في جميع الجلسات، ليس بجسده وذهنه وحسب بل بلسانه أيضاً، وهو ممسك بارع للخيط من أوله، لأن مهمته تنحصر في إتمامه حتى النهاية.. إنه «أبو العريف» الشخصية التي تعرف وتفهم في كلّ شيء، وتتحدث في جميع المواضيع خلافاً للآخرين. فهو يمتلك العلم اللادني والقدرات المزعومه التي يحاول باستمرار ايهام الآخرين بها .
فإذا ما صادفت أو تذكرت أحداً يتصف بمثل هذه الصفات فلا تدخل معه في نقاش، لأنك حتماً لن تستطيع إقناعه بوجهة نظرك، فهي خاطئة، أما كلامه هو، لا شك فيه.. في كل المجالات هو يملك معلومات مؤكدة حصل عليها بشكل حصري، لأنه «أبو العريف» فلا تتحدث أمامه في السياسة، ولا تناقشه لأنه أصلاً حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من أفضل الجامعات العالمية، ولا تتحدث في الاقتصاد لأنك ستفاجأ بأنه درس الكثير من المواد الاقتصادية خلال دراسته الجامعية، فالسياسة والاقتصاد لا ينفصلان، وإذا كان الحديث في الأدب هو سيّد من يتكلم في الجلسة، فالأدب هوايته التي برع فيها منذ الصغر، لا سيما في الخطابة، كما أنه قد حصل على أكثر من جائزة أدبية في نظم الشعر وكتابة القصة القصيرة، إنه يجيد العزف والغناء سولو وجماعي وكورال ويجيد قرع الطبول بجميع انواعها . إنه شخص خارق للعادة، فهو جامع للعلم والمعرفة، بينما الآخرون أقزام أمامه، وهم لا يعرفون شيئاً مما يحدث أمامهم، لذلك فهو يتطوع دائماً للحديث من أجل أن يشرح لهم ما يجري من أحداث، وتحليلها بدقة وتفصيل حتى الملل، دون أن يعطي الآخرين فرصة لمناقشته أو مقاطعته، بينما هو يقاطع الآخرين، ويكمم أفواههم بكثرة حديثة وارتفاع صوته.. هو «أبو العريف»، تلك الشخصية المثيرة للانتباه وكذلك للجدل، فالبعض يتضايق منه، فيما يتندر على شخصيته البعض الآخر ، فهو يختلق الازمات الوهمية ويقدم لها الحلول ويصنع لنفسه بطولات لا اساس لها من الصحة .
«أبو العريف» موجودة بيننا في كل مكان،في العمل و في العائلة وفي الحيّ وبين الأصدقاء والمعارف، وهذا الشخص معروف بأنه يتدخل في كلّ شيء حتى لو لم يكن يعنيه، ويتحدث في كلّ شيء في ما يفهم وما لا يفهم. وهو يفعل ذلك من أجل أن يصنع لنفسه هيبة أمام الآخرين، ومرجعية يستعان بها، مع أنه قد يتسبب بعمل مشاكل لغيره بسبب معلومات خاطئة أو كذبة أطلقها.
ابو العريف مثل بلونه منتفخه بالهواء هذا و عندما يتحدث ويتكلم، فتتضح حقيقته وحقيقة ما بداخله الفارغ الأجوف، وأنه لا قيمة له ولا عمل له يذكر.. وليس إلا مجرد صنيعة داخل عقول مراهقين ظنوا أن الرجل ذات قيمة وشأن وعلم ومعرفة وصاحب مشروع وطنى، فحولوه مثل كفار قريش إلى صنم من الحلوى أو الحجارة لا ينفع ولا يضر، لكنهم رأوا فيه «الزعيم» و«البوب»، يتعبدونه لعله ينطق ويصبح ذا فائدة وشأن، ظنوا فيه المهاتما غاندى المتدثر بسارى الزعامة والوطنية الحقيقية، أو هو الثائر مارتن لوثر كينج، لكنه لم يكن إلا موظفًا قليل الحيلة جعلوا منه «خيال مآته» فى الظلام.
اختبأ خلف هالة زائفة وقيمة مصنوعة من الخارج، وللأسف، من الداخل أيضًا، ورغم انه تحدث في البداية في كل شىء وأي شيء ولكن لم نراه مثلما قال سقراط جملته الشهيرة التى أصبحت مثلًا: تكلم حتى أراك.. وعندما تكلم لم يرَه أحد لأنه « تافه». وقديمًا أيضًا قال الإمام على بن أبى طالب- كرم الله وجهه-:الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام.. كلمات قالها الإمام فيلسوف الإسلام للتعريف بشخصية الإنسان.
فالكلام يحدد أى الرجال أنت، عاقل أم أحمق.. متزن أم متهور حكيم أم موتور.. مسؤول أم أهوج.. صاحب رأى أم إمعة، إن قال الناس قلت وإن صمتوا سكنت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى