رئيسيمقالات صحفية

الشيخ والبحر

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

نوح راح لحاله و الطوفان استمر
مركبنا تايهه لسه مش لاقيه بر
آه م الطوفان وآهين يا بر الأمان
إزاي تبان و الدنيا غرقانه شر
وعجبي !!صلاح جاهين

بمناسبة البحر والمركب والبحث عن النجاة والوصول الى بر الأمان دعونا نتأمل رواية “الشيخ والبحر” للروائي العالمي إرنست همنجواي من القصص العالمية الشهيرة، إذ بيعت منها في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي خمسة ملايين نسخة خلال يومين فقط بعد نشرها سنة 1954م.

وتدور قصة ” الشيخ والبحر” حول صياد كوبي متقدم في العمر اسمه سنتياغو، لم يستطع أن يصطاد سمكة واحدة خلال 84 يوما، حتى تركه الصبي الذي كان يرافقه لمساعدته ولتعلم المهنة.

وملخّص هذه الرواية هو أن سانتياغو -وهو بطل الرواية- رجل عجوز متقدم في السن إلا أنه يحب الحياة والاستمتاع بها، ويتمتع بقدر كبير من الهمة والنشاط، كان في خليج “جولد ستريم” في سفينته لمدّة ثمانين يومًا يحاول أن يصطاد، ولكنه طوال كل هذه المدة لم يستطع أن ينجح في اصطياد سمكة قط، وفي الأيام الأربعين الأولى كان يرافقه ولد صغير مساعد له، ولكن هذا الولد أُجبر من قِبَل أهله أن يترك الصياد العجوز ويذهب لمساعدة صياد آخر، وكان قلب الولد يعتصر ألمًا في كل يوم عندما يعود مع الصياد بالسمكات، بينما يعود العجوز فارغ اليدين من دون أي سمكة، ولم يكن هذا الولد يستطيع ان يقدم مساعدة إلا أن يساعد في لملمة أغراض الصيد لهذا الرجل العجوز. إلى أن استطاع العجوز في يومٍ من الأيام أن يَحظى بصيد كبير، وبقي يعارك مع هذا الصيد الكبير أيامًا وليالي حتى استطاع ان يتمكن منه، وفي طريق عودته إلى الشاطئ واجه أسماك القرش التي جذبتها رائحة الدم من السمكة الكبيرة، وبعد عراك طويل بين سنتياغو وأسماك القرش، تمكنت أسماك القرش من السمكة الكبيرة، وعاد سنتياغو إلى الشاطئ بهيكل عظمي ظنًا منه أنه لم يحظ بأي صيد إلا أن هذا الهيكل صار فرجة للناس وحديث أهل المنطقة وذلك انبهارًا بعظمة هذه السمكة وكبر حجمها وتمكن الصياد العجوز من اصطيادها، وبذلك كسب سنتياغو مجدًا وشهرةً لم يسبق أن اكتسبها صياد آخر.
وبذلك يتضح ما تتسم به رواية الشيخ والبحر من رمزية كبيرة وهي تعد من أشهر الروايات العالمية عن البحر ومغامراته، إذ إنها صورت الصراع بين الإنسان وبين قوى الطبيعة الجبارة، واستطاع إرنست همنغواي أن يبين أن الإنسان وإن كان ضعيفًا بتصميمه وإصراره وعزيمته يمكنه ان ينتصر على كل الصعاب والأهوال التي يخافها الناس، وما يؤكّد رسالة همنغواي هو قوله في الرواية أن الإنسان يمكن هزيمته لكن لا يمكن قهره .

ونتوقف مع الرواية محاولين قراءة ما بين السطور يتبين لنا بأن الأمل موجود حتى في أعتى المواقف وأصعب الظروف وأشد لحظات ضعف الإنسان ووحدته، كما أكدت الرواية أن الإنسان هو دائمًا سيد الموقف وهو الذي يستطيع تحويل الفشل إلى نصر وقوة ومجد لا يمحوه الزمن، حتى إن هذه الرواية بحد ذاتها وما نالته من شهرة كبيرة على الرّغم من لغتها البسيطة والسهلة أثبتت أن الإنسان هو الذي يصنع نجاحه بنفسه وإن كان بإمكانيات بسيطة ومتواضعة، وهذه الشهرة كانت مرتبطة بالمعاني العظيمة التي يبحث عنها كل إنسان، ويحتاج لأمثلة واقعية أو خيالية تدعم في نفسيته قيم الأمل والخير والتفاؤل.

واللافت للنظر ان نجاحك الذي حققته بمعاناة شديدة وتحمل الامواج المتلاطمة وصبر وجلد لم يتركك قروش البحر تهنئ به بل هاجمت صيدك وافنيت حياتك في الدفاع عن نجاحك بدل من التفكير في نجاحات اخرى وعندما وصلت الشاطئ لم يبقى معك من السمكة سوى رأسها الذي لا يؤكل وهيكلها العظمي فكل ما حصدته في رحلتك نجاح معنوي وتمتع حيتان البحر بكل ما لذ وطاب دون تعب او معاناة.
فالنجاح غالباً ما يولد الأعداء، ومن لا يستطع اللحاق بك لا يملك سوى طعنك من الخلف، لكن الناجح هو من يؤمن دائماً بالمقولة الشهيرة «إذا جاءتك ضربة من خلفك، فاعلم تماماً أنك في المقدمة»، والعمل هو الرد البليغ على أعداء النجاح، ولا أعتقد أن هناك شيئاً يؤلم الفاشلين أكثر من استمرارية نجاح الناجحين.

فالقبيح يرى فى الجمال تحدياً له، والغبى يرى فى الذكاء عدواناً عليه، وأسوأهم الفاشل عندما يرى فى نجاح الآخرين تهديدا لشخصه وفزاعة لاستمراريته. فالإنسان الناجح الذى يتمتع بالتواضع والأخلاق والإخلاص فى العمل ينال نجاح الدنيا، وثواب الله فى الآخرة ..، وفى أغلب الأحيان يطمع الفاشل فى تحقيق النجاح سريعًا على أكتاف الآخرين ولكن قوة النجاح تأتى مع الصبر الطويل والإخلاص، وقبل أن يحاول المرء أن يصبح ناجحًا عليه أن يحاول أن يكون إنساناً له قيمة أولا بحب الناس والتواضع والأمانة فى العمل. حتى ولو لم يبق معك سوى الرأس والهيكل العظمي.

فكل إنجاز يتطلب قدرًا من المجازفة وأنك إذا خسرت فإنك لا تخسر كل شيء لأنك تتعلم دروسا ولن تضل الطريق إذا كنت حريص على احترام الذات واحترام الآخرين وتحمل مسئولية كل فعل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى