رئيسيمقالات صحفية

طز

بقلم: ا.د/ إبراهيم محمد مرجونة
استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ورئيس قسم التاريخ كلية الآداب- جامعة دمنهور

لا تتعجب من نفسك كثيراً لأنك صرت تعيش وتتحرك في الحياة مثل الآلة، ولا تندهش أنك ربما تلوم نفسك كثيرا حين تنظر حولك فتجد فلانا وفلانا صار عظيماً أو شهيراً أو غنياً ، وتؤنب نفسك وتستشعر دناءتها وتتألم -فقط لدقائق- ثم لا تحرك ساكنا أو تأتى بجديد لتكون مثلهم ، وتعود بعدها لتدور في روتين يومك المعتاد! ولسان حالك يقول طز .

فدعونا نتجول في مقارنة بين “طز” محجوب عبد الدايم بطل رواية “القاهرة ٣٠” لـ نجيب محفوظ، والذي جسده سينمائيًّا الفنان الراحل حمدي أحمد، و”طز” كمال عبد الجواد في رواية “السكرية”، وهي الجزء الثالث من ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، والذي جسده سينمائيًّا الفنان الراحل نور الشريف، والذي يمثل حياة أغلب “الأفندية” من أبناء الجماعة الثقافية والمهتمين بالشأن العام في بلادنا او الباحثين عن مكانة مرموقة ونفوذ وشأن دون أن يتنازلوا عن الأخلاق والمبادئ والقيم.

غير أن “طز” محجوب عبد الدايم اللاأخلاقية، تأتي في بداية مشوار الحياة والعمل العام، فتصبح دستورًا يتبعه صاحبها، وبوابة لنجاحه، وتحقيق احلامه وطموحاته و”طز” كمال عبد الجواد العبثية، والتي تأتي في نهاية مشور الحياة، بوصفها جَلدًا لذاته، ونقدًا لمنجزها في رحلة الحياة، وعنوانًا على فشلها وعدم تحقيق ما تصبو إليه.

والسؤال الذي يفرض نفسه هل كمال عبد الجواد هو السبب في الفشل وعدم تحقيق الذات أم أن المجتمع بمتغيراته هم شركاء في إحداث هذا الفشل؟ .

نحن نعلم أن “طز” الأولى اللاأخلاقية، تعني “طز” في القيم والمبادئ والمُثل العليا، و”طز” في كل ما يؤمن به من المعتقدات الدينية والفلسفة والعلم؛ فعلى الإنسان أن يبحث عن مصلحته الخاصة، وأن تكون معايير تفضيله وحكمه وسلوكه مُؤسسة على أرضية ما يجلب له القوة والثروة والسعادة واللذة، دون اعتبار لأي قيم أخلاقية أو دينية.
وقد عبر عن تلك القناعة “فيلسوف المهانة” محجوب عبد الدايم على النحو التالي: “المعتقدات الدينية + العلم + الفلسفة + الأخلاق = طز”.
أما “طز” الثانية العبثية، فقد قالها بطل رواية “السكرية” كمال عبد الجواد، وهو ينظر بأسى وغضب لسيرة حياته، ومقدار خسارته وعدم تحققه فيها ما يتمنى ، بعد أن عاش في محراب الفلسفة يبحث عن القيم والمبادئ والمثل العليا، ملتزمًا بها، ونتيجة لذلك أصبح ثابتًا في مكانه لا يتغير، في حين تغير وتقدم العالم من حوله.
ولهذا نجده يخاطب ذاته قائلًا: “كل الناس بتكبر وبتتغير؛ رضوان سكرتير وزير، حتى جليلة بتوب! وأنا زي ما أنا، خوجة في مدرسة السلحدار الابتدائية، وباكتب مقالات في مجلة الفكر التى لا يقرأها أحد”.
لينتهي من حوار مع ذاته بنتيجة مؤداها: “طز في كمال عبد الجواد”، بعد أن صارت الخيبة عنوانًا لحياته، وتحطمت أوثانه، وكفر بنفسه ومبادئه وكل ما كان يؤمن به، ودخل في حالة من الحزن والألم والذهول والدهشة، لخلو العالم من مباهج الأحلام، ومن ضياع الماضي الساحر إلى الأبد.

وبالطبع فتلك مفارقة مثيرة للتأمل والحزن؛ فكيف تصبح “طز” بدلالاتها اللاأخلاقية والعبثية قاسمًا مشتركًا بين شخصيتين متناقضتين تمامًا من أبطال نجيب محفوظ؟ فالأول “محجوب عبد الدايم” عديم الأخلاق والمبادئ، وفهلوي وانتهازي عديم الجذور، لكنه متصالح مع ذاته وخياراته في الباطن، وناجح ومتحقق في الظاهر.
والثاني “كمال عبد الجواد” مثالي حالم، صاحب فكر ووعي وخلق، ولكنه متردد ومهزوم في الداخل، وفاشل في الخارج.
إن الصراع بين نموذج “محجوب عبد الدايم” ونموذج “كمال عبد الجواد” لا يزال قائمًا في مجتمعنا وحياتنا العامة إلى اليوم، وهو صراع لا تزال الغلبة فيه بكل أسف لمحجوب عبد الدايم.
وأظن أن صلاح حالنا وشأننا العام لن يتحقق، إلا بشخصية ثالثة ينكشف فيها زيف محجوب عبد الدايم، وانتهازيتة وأنه غير نافع لمجتمعه ووطنه، وأنه لا جدوى من الفهلوة واللعب بالبيضة والحجر، والرقص على كل الحبال، وتدرك أن كمال عبد الجواد عليه التوقف عن جلد ذاته بقسوة، وأن ينقد بعقلانية وواقعية مشواره ورحلته، وعلاقته بسياقه المهني ومجتمعه، ليعرف أسباب لا فاعليته وثباته، وعندئذ ربما يصوّب الأخطاء، ويستدرك ما فات وضاع، فيرضى عن خياراته وحياته.
ولتحقيق الذات والنجاح علينا الاندفاع إلى الأمام وإلى المخاطرة والتفرد وتوافق الأفراد مع أنفسهم ومع العالم أجمع ـ يواكب ذلك أقصى قدر من الفعالية والرضا والمرح والسلوك الذي يراعي التعاليم الدينية والالتزام الاخلاقي ويراعي معايير المجتمع والقدرة على مواجهة واقع الحياة وتقبله.. فالحياة ليست بحثاً عن الذات ، ولكنها رحلة لصنع الذات ، اخلق من نفسك شيئاً يصعب تقليده. الإخلاص لا قيمة له ما لم يوجد في أعماقه التضحية بالذات. من أشكال احترام الذات أن تبتعد عن أي شخص لا يقدر قيمتك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى