رئيسيمقالات صحفية

تفاهة آلان دونو

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

ظهر على الساحة مؤخراً كتاب “نظام التفاهة” لمؤلفه آلان دونو ولمترجمته الدكتورة مشاعل الهاجري، ويبين قلق “آلان دونو” على مستقبل الإنسانية من التفاهة.وقبل النظرة التأملية لما ورد بين ثنايا الكتاب دعونا نتذكر حديث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ يتكلم في أمرِ العامَّةِ) [صحيح].
تشعر مدى القلق النبوي إن جاز التعبير من أن يتسيد التافهون للشأن العام، والذين وصفهم الحديث الشريف بـ”الرويبضة” .فالنبي-صلى الله عليه وسلم- جعل تحدث التافه في شأن العامة من علامات الساعة ونهاية الزمان، ووصف هؤلاء التوافه بـ”الرويبضة” فالتافه في تلك الحالة يضع معايير المجتمع، ويصنع نخبته، وفي تلك الحال يكون الخراب هو المصير المحتوم.
وجاء آلان دونو بكتابه نظام التفاهة يدور موضوع هذا الكتاب حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة التفاهة مما أدى، تدريجياً، إلى سيطرة التافهين وانتشارهم في القطاعات الادارية العلمية والثقافية والابداعية والفنية .
وصار جلياً وعبر العالم، صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والانحطاط والأغرب أن أصحاب الشخصية التفاهه في حالة تصالح مع النفس واستواء بل أصبحت التفاهة وسيلة للتربح والغنى الفاحش ان جاز التعبير فلم يخلو مجال أكاديمي أو إداري أو فني أو رياضي أو ثقافي من صعود غير مبرر للتافهين بل احتلوا المقاعد الاولى مادياً ومعنوياً.

وهمشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية، وكل ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية، ودائماً تحت شعارات الحرية الفردية والخيار الشخصي، حتى صار الأمر يذكر بما كان مونتسكيو Montesquieu يحذر منه من وجوب صون الحرية من الابتذال، عندما قال إن “ممارسة الحرية من قبل أكثر الشعوب تمسكاً بها تحملني على الاعتقاد بوجود أحوال ينبغي أن يوضع فيها غطاء يستر الحرية مثلما تستر تماثيل الآلهة”.
أن تسيد التفاهة صار ظاهرة عالمية، ولربما هذا ما سيدلل عليه المؤلف آلان دونو في كتابه حيث اورد ” يبعد الأكفاء وتهمش القيم وتبرز الأذواق المنحطة ويسود التافهون، ولا لفظ أنسب لوصفهم من “تافهين” رغم قسوة التوصيف والصعوبة الشخصية التي أجدها في استخدامه، ليحددوا لنا كل شيئ، ما نرى بأم أعيننا أنهم يحددونه وما لا نتصور في يوم أنهم قادرون على تحديده. هؤلاء يحددون لنا من سعر عبوة الجبن على رف الجمعية إلى طبيعة ونوعية عاداتنا وقيمنا بل ومعتقداتنا الدينية، وحين يحدد لك التافهون طعامك، يصبح مائعاً، فكيف بقيمك ومعتقداتك التي يسعرونها بالدولار؟”

بكل تأكيد، ظاهرة تحكم التفاهة هي ظاهرة عالمية، ففي المجال الأكاديمي التعليمي مثلاً، هناك استخفاف ملحوظ ليس فقط بنوعية المادة العلمية بل وبنوعية مقدمها، لم يعد هناك تطلع للجودة العالية، فهذه تستهلك جهدا ووقتا ومالا يمكن أن يوضعوا جميعا للدفع بالأثرياء لأن يصبحوا أكثر ثراء عوضاً عن بذلها كلها في خلق معلمين أفضل ومادة تعليمية أكثر قيمة. ضاعت معايير الجودة إلا أن الساحة لم تخلُ من تنافس، إنما هو تنافس من نوع ثان، تنافس على التنافس إن صح التعبير، أصبح هناك تنافس على اجتياز المقررات الدراسية بأقل قدر من الجهد وأكبر قدر من الدرجات، استخداماً للوساطة أو ممارسة الغش، والتي أصبحت ظاهرة خطرة على الساحة التعليمية ، المهم أن يتم النجاح بأي طريقة عدا طريقة تحقيق تلقي معرفي حقيقي وفاعل.
اليوم وبفعل وسائل الاتصال والتواصل من فضائيات وإنترنت وغيرها، تسارعت عجلات ثقافة التسطيح بين البشر، حيث تقوم وسائل إعلامية بدور عظيم وغاية في الخطورة في نشر تلك الثقافة، وتناول الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة سطحية هزيلة. وعلى رغم القوة الهائلة لشبكة الإنترنت للقيام بدور الضد لهذه الثقافة وبيان الحقائق أولاً بأول، إلا أن الملاحظ هو تزايد أعداد من تتسطح ثقافتهم أو عقولهم يوماً بعد يوم، لا سيما في القضايا المصيرية العظيمة، وشواهد ذلك كثيرة هذا بجانب ملوك التفاهة فيما يسمى المهرجانات والتوك توك واليتويوبر والترند فيخرج علينا البعض ببلاه وساذجة وتفاهة بأي جمل او كلمات وهمهمات وراقصات واذ به يحقق ترند ويصبح مليونير وكلما زادت تفاهته زادت ثروته وفيروس التفاهة أصاب الفن والادب والثقافة والرياضة و تسيد نظام التفاهة المشهد وهبط بالمعايير وحَيّدَ الأكفاء وأنعش سوق الأثرياء. إنه زمن التفاهة يا سادة، زمن يرى في التزامك بقيمك ومعاييرك مبالغة وتزمتا، زمن يقول “فوت ولا تدقق حتى تعيش”،انتج الكثير والكثير من التفاهات حتى تعيش عيشة الاثرياء علية القوم زبدة الكريمة فهل نحن فعلاً نعيش؟
اذا اردنا أن نعيش علينا نشر ا الوعي الفكري والسياسي والإداري وان يمتلك الإعلام، أفضل أدوات مقاومة حملات التسطيح والتغييب، لا سيما من قبل الاعتماد على من تبقى من النخب المثقفة، صاحبة الضمائر الحية أو الواعية ببواطن الأمور وحقائق الأشياء؛ ويجب مواجهة بعض وسائل الإعلام أو مواقع الإنترنيت أو وسائل التواصل المختلفة ذات الفقاقيع الإعلامية الملونة هنا وهناك، لا تجعلوهم يسرحون ويمرحون في تشكيل وتسطيح عقولنا كيفما شاءوا. فيجب أن تطرد العملة الجيدة العملة الرديئة من خلال تقديم كل ما هو طيب ويشكل الوجدان.

وأخيرا يقول صلاح جاهين في الرباعيات :عبثا باقول واقرا في سورة عبس / ماتلومش حد إن ابتسم أو عبس / فيه ناس تقول الهزل يطلع جــــد / و ناس تقول الجد يطلع عبـــــث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى